|
|
|
يقودني توقفت سفينة قادمة من الإسكندرية متجهة إلي روما حاملة كميات ضخمة من القمح المصري فى ميناء الموانى الحسنة وهناك دار بين اثنين من ركابها هذا الحوار : - يجب أن نبحـر حـالاً إلي مينـاء فينكس ، لماذا نظل هنا فى الموانى الحسنة نقاسـى برد الشـتاء القارص .. الطقس هنا صعب للغاية ، فلمـاذا المعانـاة .. إن مينـاء فينكس أفضل بكثير .. إنه مشتي رائع .. - إننى أُوافقك فى أن قضاء فصل الشتاء هنا فى الموانى الحسنـة معاناة قاسية للغاية .. لكن هل نتناسي أن موسم الملاحة قد انتهي .. فمنذ أيام صام اليهود يوم الكفارة الذى يصاحبه بدء موسم الملاحة الخطر(1) .. الإبحار الآن مجازفة غير محمودة العواقب يجب أن نظل هنا حتي ينتهى فصل الشتاء وتعود الملاحة من جديد فنكمل سيرنا إلي روما .. - هذا حذر زائد .. فلم تمض سوي أيام قليلة منذ يوم الكفارة .. ثم أن ميناء فينكس ليس بعيداً ، إنها ساعات محدودة ونبلغ هذا المشتي الرائع لنقضى فيه فصل الشتاء إلي أن يعبر .. - كلا ليس هذا حذراً زائداً .. أنغامر بالسفر إلي ميناء فينكس ، أنعرض حياتنا للخطر ولو لبضعة ساعات من أجل أن نتجنب مشقة قضاء فصل الشتاء هنا فى الموانى الحسنة .. تُري أتقلع السفينة حالاً إلي فينكس هرباً من معاناة فصل الشتاء القارص أم تبقي فى ميناء الموانى الحسنة حرصاً علي سلامة ركابها .. تساؤل شغل أذهان ركاب هذه السفينة وأيضاً بحارتها .. من الذى يحق له اتخاذ القرار ؟ .. هل مالك هذه السفينة ؟ .. هل رُبَّانها قائد بحارتها ؟ .. كلا ، لا هذا ولا ذاك .. بل قائد مئة رومانى كان ضمن ركابها صعد إلي السفينة حين توقفت فى ميناء ميراليكية .. ولم يكن بمفرده فقد كان بصحبته جنود كلفهم بحراسة أسري أصعدهم معه إلي السفينة .. من بين هؤلاء الأسري ، الرسول بولس .. كان مُرسلاً إلي روما ليحاكم فى محكمة قيصر بسبب اتهام اليهود له .. ومن الركاب لوقا الطبيب وأرسترخس .. الأول استخدمه الروح القدس فى سرد ما جري لهذه السفينة فى سفر أعمال الرسل .. والثانى هو أحد خدام الرب المخلصين ( كو 4 : 10 ) .. كلاهما حرص علي مصاحبة الرسول بولس إلي روما ، ولم يخجلا من كونه أسيراً .. كان لهذا القائد السلطة أن يتخذ القرار بشأن إبحار السفينة نظراً لمركزه المرموق باعتباره قائد مئة فى جيش الإمبراطورية الرومانية التى كانت تسود العالم آنذاك فى القرن الأول الميلادى .. أنهي القائد حيرة الركاب والبحارة وأصدر قراره أن تقلع السفينة علي الفور إلي فينكس .. وأكثر ما يدعو للدهشة أن الرسول بولس وقف وهو الأسير يحذر قائد المئة من اتخاذه هذا القرار .. يروى لوقا فى سفر أعمال الرسل : « جعـل بولس ينـذرهم . قائلاً أيها الرجال أنا أري أن هذا السفر عتيد أن يكون بضرر وخسارة كثيرة ليس للشحن [ القمح ] والسفينة فقط بل لأنفسنا أيضاً » ( أع 27 : 9 ، 10) ويا للأسف ، استمع قائد المئة إلي هذا الإنذار لكنه لم يعره اهتماماً .. يقول لوقا : « كان قائد المئة ينقاد إلي رُبَّان السفينة وإلي صاحبها أكثر مما إلي قول بولس » ( أع 27 : 11 ) هكذا أقلعت السفينة من ميناء الموانى الحسنة سائرة بمحاذاة شاطىء جزيرة كريت ، يحدوها الأمل أن تصل فينكس فى غضون ساعات قليلة .. لكن سرعان ما تحطم أملها ، إذ هبّ عليها إعصار شديد القوة خطفها بعيداً إلي عمق البحر لتبدأ مأساة رهيبة .. خمسة عشر يوماً والأمواج تعذبها حتي أغرقتها ، ولولا وجود بولس ولوقا وأرسترخس لهلك معها كل ركابها فى قاع البحر .. إنها حقاً مأساة .. لكن هذه هى نتيجة الاستخفاف بصوت الله المحب عندما يحذر .. لقد استخف قائد المئة بصوت الله الذى سمعه عن طريق بولس فعرّض نفسه وركاب السفينة لأعظم الأذي .. فكم يؤذى الإنسان نفسه حينما يرفض قيادة الله له .. أيها الحبيب ، إن أحداث الحياة مثل أمواج البحر .. أحياناً تكون هادئة ساكنة آمنة ، وأحياناً أُخري تتلاطم بعنف وتهب عليها الأعاصير فيصير الإبحار خطراً للغاية .. • فما هى مخاطر أن تُخطئ وتبحر مخالفاً صوت الله المحذر ؟ وبكلمات أُخري ما هى خطورة أن تسير خارج مشيئة الله ؟ .. • ما هى الأُمور التى يجب عليك أن تتعامل معها بيقظـة وحذر حتي لا ترتكب هذا الخطأ الخطير ؟ .. • كيف تكون مثل بولس قادراً علي التمييز ؟ .. كيف تقتنى اليقين بأن قراراتك فى مشيئة الله ؟ .. • وكيف تسمع بلا تشويش صوت الله الذى يعلن لك مشيئته ؟ .. وهل من دور لذهنك ومشاعرك ، وللمؤمنين المحيطين بك وأصحاب الخبرة ؟ .. وماذا عن الإعلانات ، النبوات والرؤي والأحلام ؟.. • وسؤال آخر هام للغاية .. كيف تتصرف حينما تجد ذاتك مثل بولس ولوقا وأرسترخس وهم فى هذه السفينة ، قرار الإبحار ليس فى يدك وآخر مثل قائد المئة هو صاحب الحق فى اتخاذه ؟ ماذا تفعل حينئذ ؟ .. كيف تفكر وتتصرف ؟ .. ستشغلنا إجابات هذه الأسئلة الهامة عبر صفحات هذا الكتاب .. وأنوه بأن أحداث قصة هذه السفينة الغارقة ستمدنـا بإجابات للأسئلة ، الأول والثانى والأخير .. أما البقية فستلمس إجاباتها خلال سياحة ممتعة ُفى أسفار الكتاب المقدس ندعوك أن تصحبنا فيها لنتنقل معاً بين الكثير من آيات وقصص أسفار الكتاب التى تتحدث عن قيادة الرب لنا .. وإليك هذا التحذير .. لا تقفز مباشرة إلي فصول هذا الكتاب التى تتحدث عن طريقة معرفتك لمشيئة الرب .. فالصفحات التى ستتخطاها تعرض موضوعات هامة لا يمكن تجاهلها .. تبنى وتعمق الأساس الذى يرتفع عليه فهمك لطرق الله فى قيادتك ، كما أنها تقوى إيمانك بأنه يقودك .. كن صبوراً وادرس كل فصل جيداً ، فلكل فصل أهميته الخاصة فى بناء هذا الأساس .. أعر اهتماماً أكثر لآيات الكتاب المقدس التى تقابلها أثناء القراءة .. اجتهد أن تحفظ الكثير منها فى ذاكرتك .. أعد التحدث بها إلي نفسك بين الحين والآخر كي تسكن فى قلبك .. فالآيات لها القدرة أن تجدد ذهنك وأن تلهب قلبك بالرغبة الحارة فى فعل مشيئة الله .. وأوجه نظر القارئ إننى فى كل مرة أذكر مشيئة الله إنما أقصد مشيئته الأساسية «His directive will» وليسـت مشيئته السامحة «His permissive will» لأن الفرق بينهما كبير .. فمشيئة الله الأساسية هى التى فى قلبه تجاهنا والتى يجب أن نخضع لها لنتمتع بكل امتيازاتنا باعتبارنا أبنائه .. أما مشيئته السامحة فهى الأمور التى يسمح بحدوثها نتيجة لأخطائنا وعـدم طاعتنا له .. فقـد أعطانا حـرية الاختيار .. وكمثال فإن دخول الخطية إلي العالم بنتائجها الوخيمة ليس مطلقاً مشيئته الأساسية بل السامحة نتيجة لأن آدم اختار أن يعصيه .. وفى قصة سفينتنا هذه فإن إبحارها إلي فينكس لم يكن مشيئة الله الأساسية التى أعلنها بولس لقائد المئة بل مشيئته السامحة .. قارئى العزيز ، دعنى أطلب منك أن تعلن الآن ثقتك أن الروح القدس سيرافقك وأنت تقرأ هذه الصفحات لينعش روحك ويرفع إيمانك ويحفر فى قلبك دروساً عظيمة .. كى تسير دائماً فى مشيئة إلهك الأساسية فلا تغرق أبداً سفينتك مهما هاجت الأمواج واشتدت قوتها.. لا ليس قصد الرب أن تغرق سفينتك بل أن تبحر بها دائماً من مجد إلي مجد .. ومن قوة إلي قوة ..
ملكى العظيم .. ليت كل يوم من أيام حياتى يبرهن علي أن مشيئتي هى فقط أن أفعل مشيئتك ..
القس دانيال
1 نتائج مريرة
أطلق الرسول بولس تحذيراً قوياً واضحاً .. لا تبحروا إلي فينكس فالخسائر ستكون هائلة .. ليس مجرد فقدان كميات القمح الضخمة المحمولة إلي روما وجسم السفينة بل أيضاً حياتكم ذاتها ستتعرض لخطر محقق .. كان بولس يتحدث بكل الثقة والوضوح .. فقد كان ممتلئاً بالروح القدس يحيا فى شركة حية مستمرة مع الرب ، لذا كان قادراً علي التمييز .. وتمكن من أن يري بوضوح أخطار الإبحار إلي فينكس .. لكن قائد المئة لم يعر كلمات بولس أى اهتمام ، وأمر أن تبحر السفينة لتسير خارج مشيئة الرب .. ما أمرّ النتائج حينما تختار أن تتحرك خارج مشيئة الرب فى القرارات الكبيرة التى تحـمل فى طياتها المخاطرة .. ما أفدح الخسائر سواء كان السبب جهلك بمشيئة الله أو رفضك لها .. أيها الحبيب لا تنس أبداً هذه الحقيقة التى لا تُقدر بثمن .. إن الطريق الوحيد الآمن هو الطريق الذى يقودك فيه الرب .. والمكان الوحيد الآمن ليس سوي المكان الذى يختاره الرب لك .. اقرأ باهتمام ما سجله لوقا فى سفر أعمال الرسل أصحاح 27 عما حدث لهذه السفينة ، وستزداد يقيناً بخطورة الخروج عن مشيئة الرب فى القرارات الكبيرة .. وكلما حمل القرار مخاطرة أكبر ، كلما تطلب منك التريث وعدم الاندفاع .. القارىء العزيز ، كتب لوقا هذا السفر وهو تحت هيمنة الروح القدس الكاملة ليقدم لنا دروساً ثمينة .. فتعال نتعلم منه هذا الدرس الأول .. بعض نتائج المخاطرة باتخاذ قرار خارج مشيئة الله ..
أولاً : فقدان السيطرة بدأ لوقا فى وصف ما حدث قائلاً : « بعد قليل [من إقلاع السفينة] هاجت عليها ريح زوبعية .. فلما خطفت السفينة ولم يمكنها أن تقابل [تقوي علي مقاومة] الريح سلمنا فصرنا نحمل » ( أع 27 : 14 ، 15 ) انظر ، بعد وقت قليل من الإبحار من ميناء الموانى الحسنة ، لم يعد البحارة قادرين علي التحكم فى مسار السفينة بعد أن هب عليها إعصار رهيب ، فسلموا أنفسهم .. لا يعنى ذلك تسليم النفس لله ، أو تسليم الإيمان .. فالواضح من سياق الحديث أن المقصود أنهم أُجبروا أن يسلموا قيادة السفينة للأمواج التى صارت تحملها وتقذفها بعنف شديد صعوداً وهبوطاً ويميناً ويساراً .. يصف لنا مزمور 107 ما يحدث للركاب فى مثل هذه الحالة : « يصعدون إلي السموات [أى عالياً جداً] يهبطون إلي الأعماق .. ويترنحون مثل السكران وكل حكمتهم ابتُلعت » ( مز 107 : 26 ، 27 ) كل حكمتهم ابتلعت !! نعم فكل ما تعلموه عن سفر البحر ، وكل رصيدهم من خبرة سنوات طوال ، وكل إمكاناتهم الذهنية وقوتهم البدنية لم يعد لها أى فائدة الآن .. لقد فقدوا تماماً السيطرة علي السفينة .. قارئى الحبيب ، لن أملّ بسبب محبتى لك أن أُحذرك عبر صفحات هذا الكتاب من السير بدون قيادة الرب .. آه للنتائج الوخيمة ، فقد يحدث لك ما حدث لهؤلاء البحارة .. قد يأتى وقت تفقد فيه السيطرة علي أمورك ، ولا تجد أى فائدة من كل ما تمتلكه من علم وخبرة وحكمة أو مال وعلاقات .. تتحكـم فيك الأمواج ولا تقدر أن توقف تخبُطك بها .. حينما لا تخضع لقيادة الرب ستصير عاجزاً ، تائهـاً .. لا تعرف كيف تتوقف أو إلي أين تتجه .. وكـم تتغير الأُمور تماماً حـينما تسـير خـاضعاً لقيـادته .. تصـبح قـادراً أن تغنى للرب عن اخـتبار « إنما [بكل تأكيد] خير ورحمة يتبعاننى كل أيام حياتى » ( مز 23 : 6 ) ..
ثانياً : جهد كثير بلا فائدة نعود إلي ما جري للسفينة نتيجة خروجها عن مشيئة الرب ونقرأ كلمات لوقا « بالجهد قدرنا أن نملك القارب » ( أع 27 : 16 ) .. ويقصد قارب النجاة الذى كانت السفينة تقطره خلفها .. لقد بذل البحارة جهداً كبيراً لرفع هذا القارب بعد أن صار يُشكل خطورة بالغة بسبب احتمال تحطم السفينة من جراء اصطدامها به بسبب الأمواج الهائجة .. ويُكمل لوقا قائلاً « ولما رفعوه طفقوا يستعملون معونات [الأشياء التى تساعد فى الإنقاذ كالحبال والسلاسل] حازمين السفينة وإذ كانوا خائفين أن يقعوا فى السيرتس [أرضية رملية متحركة] أنزلوا القلوع » ( أع 27 : 17 ) .. هكذا بذلوا جهداً فى رفع القارب ، وبذلوا جهداً آخر فى حزم السفينة التى تصارعها الأمواج بالحبال القوية فى محاولة لحفظها من الانشطار والتجزؤ .. وجهداً ثالثاً فى إنزال قلوعها التى كانت تلطمها الرياح العنيفة .. لكن هل كانت هناك فائدة من جراء هذا الجهد المضنى ؟ .. يقول لوقا : « لم تكن الشمس ولا النجوم تظهر أياماً كثيرة واشتد علينا نوء [رياح شديدة] ليس بقليل انتزع أخيراً كل رجاء فى نجاتنا » ( أع 27 : 20 ) أيها الحبيب .. حينما لا تسير فى مشيئة الرب سواء بعدم استشارته أو بتجاهل مشورته ، فأنت تأتى بالفشل الذريع إلي حياتك .. الجهد كثير والعائد قليل .. المشقة ضخمة والفائدة قليلة أو منعدمة .. أو كما يقول سفر التثنية « كروماً تغرس وتشتغل .. ولا تجنى لأن الدود يأكلها » ( تث 28 : 39 ) .. تأمل أيضاً ما حدث لسبعة من رسل الرب يسوع حينما عادوا إلي صيد السمك بعد أن تركوه بنحو ثلاث سنوات .. لقد اتخذوا هذا القرار دون استشارة الرب ، فماذا حدث لهم ؟ .. لقد قضوا الليل كله يلقون الشباك فى الماء ولم يصطادوا ولا حتي سمكة واحدة ( يو 21 : 3 ) .. نعم سيأتى وقت لا تمسك فيه شباكك شيئاً برغم الجهد والمشقة والمحاولات الكثيرة إذا تحركت كهذه السفينة أو كهؤلاء الرسل السبعة خارج مشيئة الرب .. أما إذا تحركت فى مشيئته مستسلماً لقيادته فحتماً ستمتلىء شباكك بالسمك الكثير ، وسيري الناس بكل وضوح عمل الله معك .. سيتأكدون إنه معك ( تك 39 : 3 ) ..
ثالثاً : خسائر جسيمة لم يتوقف الأمر عند فقدان السيطرة علي السفينة وبذل الجهد العظيم دون جدوي ، بل لحقت بهم أيضاً خسائر جسيمة .. يصف لوقا قائلاً : « وإذ كنا فى نوء [رياح شديدة].. جعلوا [أى البحارة ومعهم الركاب] يُفرغون فى الغد . وفى اليوم الثالث رمينا بأيدينا أثاث السفينة » ( أع 27 : 18 ، 19 ) انظر ، فى اليوم الثانى لإبحارهم خارج مشيئة الرب يضطرون أن يفرغوا السفينة من كل حمولتها !! كم من أطنان من القمح قذفوها فى البحر ، ورغم ذلك لم يزل الخطر .. وفى اليوم الثالث يلقون أثاث السفينة .. وأيضاً بلا جدوي .. تأمل كيف يتحدث تعبير « بأيدينا » فى كلمات لوقا السابقة عن الجهد الذى بذلوه فى التخلص من أثاث السفينة .. وما أقسي هذا علي النفس .. أن تبذل مجهوداً لا لتزيد من ممتلكاتك بل للتخلص من بعضها أو جميعها آملاً فى زوال الخطر ، ثم لا يزول .. لكن هذه هى النتيجة المرّة لرفض إرشاد الله .. انظر إلي لوط .. تقول كلمة الله إنه اختار أن يسكن فى أرض سـدوم لأنه رآهـا أرضاً جميلة وخصـبة .. وما الخطـأ فى هذا ؟.. يقول سـفر التكـوين « فاختار لوط لنفسه .. » ( 13 : 11 ) ، أى لم يستشر الله ، فماذا كانت العاقبة ؟ .. لقد خسر كل شىء ، اشتعلت المدينة بالنار فاضطر أن يتركها متعجلاً تاركاً للنـار كل ما كان يمتلك .. حتي زوجته فقدها .. لا تنس هذه الحقيقة .. توجد دائماً خسائر جسيمة فى السير خارج مشيئة الرب وبركات عظيمة فى السير فى مشيئته .. رابعاً : تحطم الأمل بعد أربعة عشر يوماً من عذاب السفينة وسط البحر ، فجأة وَجَدَ البحارة أنهم اقتربوا بالفعل إلي شاطئ .. فسري الأمل فى داخلهم بقوة واعتقدوا أن نجاتهم صارت وشيكة .. لكن خوفاً من أن تصطدم السفينة بصخور هذا الشاطئ فتؤذى الجميع اتفق البحارة معاً علي الهرب لكى ينجوا بأنفسهم .. أنزلوا قارب النجاة إلي البحر بحجة أنهم سيمدون مراسى من مقدم السفينة ليثبتوها فى مكانها حتي لا تقذفها الأمواج إلي صخور الشاطئ .. لكن قبل أن يلقوا بأنفسهم فى القارب ويفروا به إلي الشاطئ ، كَشَفَ الرسول بولس لقائد المئة كذبهم ، فأمر القائد بأن تُقطع فى الحال الحبال التى تربط القارب بالسفينة فقذفت الأمواج القارب بعيداً عن السفينة .. وهكذا فى دقائق قليلة تحطم أمل البحارة فى النجاة .. ما أقسي هذا علي نفس الإنسان ، حينما تتغير الظروف بطريقة تُحيى فيه الأمل بعد أن تبدد وتؤكد له أن النجاة وشيكة ، يظل الأمل آخذاً فى الارتفاع مع تتابع الأحداث ، ثم فجأة تتغير الظروف بطريقة درامية ويكتشف الحقيقة .. إنه كان يسير وراء السراب !! .. آه أي إحباط يصيب كل من يصر علي السير خارج مشيئة الله .. قارئى العزيز .. تُري هل أدركت من قصة هذه السفينة بعضاً من النتائج المريرة للخروج عن مشيئة الله ؟ .. • تفقد سيطرتك علي مجريات الأُمور .. وتصير عاجزاً .. • تصاب بالفشل .. جهد كثير وعائد قليل أو شبه منعدم .. • تتعرض لخسائر جسيمة متتالية .. • يتحطم أملك فى الإنقاذ .. هل تري نفسك الآن تقاسى من نتائج خروجك عن مشيئة الله ؟ .. إن كان الأمر كذلك فلا تكن سلبياً .. بإمكانك أن تتخلص من هذه النتائج .. ألم يتحمل الرب يسوع عندما صُلب نتائج أخطائنا ، ألم تعلن لنا كلمته هذا الحق العظيم « أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها » ( إش 53 : 4 ) .. أيها القارئ العزيز ، ثق أن الرب أمامك الآن ويريد أن يعالج ما حدث .. يقترب إليك قائلاً « لقد تحملت فى صلبى كل أوجاع نتائج أخطائك فلم لا ترحب بى » .. ثق أنه أمامك الآن ليفعل معك ما فعله مع إيليا ..
إنقاذ الرب لإيليا لاشك فى أن إيليا رجل من رجال الله العظماء وبطل من أبطال الإيمان .. إلا أن إيمانه قد خار فى أحد المواقف وأخطأ التصرف حين أخبرته الملكة إيزابل بأنها ستقتله .. فى جبل الكرمل تمجد الله مع إيليا علي نحو غير عادى حيث سقطت النار من السماء علي الذبيحة التى قدمها .. ثم صلي لأجل المطر فأتي غزيراً بعد أن كان متوقفاً ثلاث سنوات ونصف .. فانطلق إلي مدينة يزرعيل حيث قصر الملك مستغلاً تأثر الشعب بما حدث ليقوده إلي نهضة فى علاقته مع الله .. غضبت الملكة إيزابل لأنها كانت تعبد الوثن ، وأرادت أن تُبعد إيليا من المدينة فأرسلت له رسالة تؤكد له فيها إنها ستقتله فى الغد .. وبالطبع لم تكن جادة فى كلامها وإلا لقتلته فى ذات اليوم ، لكنها خشت من ثورة جموع الناس عليها فاكتفت بالرسالة علي أمـل أن تنجـح فى إخافة إيليا فيترك المدينة ويهرب .. لم يفطـن إيليا إلي أن الملكة غير جـادة فى كـلامها ، وأنها لا تقدر أن تقتله .. استسلم كما أرادت للخوف من هذا الخطر الوهمي .. آه كم من نفوس تعذبت بسبب مخاوف من أخطار وهمية لا وجود لها أو من أخطار فى حقيقتها صغيرة ولكن نجح إبليس فى أن يضخمها فى عيون هذه النفوس .. استسلم إيليا للخوف فتحرك بسرعة قاصداً مكاناً آمناً بعيداً ليختبىء فيه .. وآسفاه ، لم يستشر الله فخرج عن مشيئته .. وفى الطريق إلي المكان البعيد الذى اعتقد أنه سيحفظه آمناً سقط من الإعياء ونام تحت شـجرة ، فظهـر له ملاك الرب مقدماً له الطعام وهـو يقـول « قم وكُل لأن المسافة كثيرة عليك » ( 1 مل 19 : 7 ) .. حتماً سيحدث لك مثل إيليا حينما تسير خارج مشيئة الله .. ستجد أن المسافة إلي الهدف الذى تبتغيه سواء النجاح أو الأمان قد صارت كثيرة عليك ، ستشعـر بالعجز والإعياء .. لكـن يا لأمانة الـرب !! يا لحبه المذهل ونعمته المصححة للأخطاء !! سيتقابل معك كى يزيل منك الإعياء ويعـالج آثار ما حدث نتيجة تحركك خـارج مشيئته .. وسيقول لك « إذهب راجعاً .. » ( 1 مل 19 : 15 ) .. عُد إلي التحرك فى مشيئتى .. هكذا إن كنت تقاسى من نتائج خروجك عن مشيئة الله ، فليس من قبيل الصدفة أن تقرأ هذه الكلمات الآن .. فلا توجد صدف علي الإطلاق فى كل ما يرتبط بعلاقتنا مع الرب .. إنه يحبك جداً ويريد أن يعالج كل ما حدث .. تعال إلي لقاء معه الآن .. اعترف له بخطئك .. لا ، لا تأتى إليه طالباً الإنقاذ من نتائج خروجك عن مشيئته معتمداً علي تقواك ومحاسنك .. بل مستنداً فقط علي إنه حمل أحزانك وتحمل أوجاعك لكى يريحك منها .. أيها الحبيب ، الرب سيعالج كل نتائج خروجك عن مشيئته .. إنه يحبك جداً .. سيفعل أيضاً أكثر من هذا ، سيعوضك عن هذه الأيام الموجعة وسيجعلك أفضل مما كنت قبل أن تخطىء .. وسيقودك لتكون دائماً فى الارتفاع ( يؤ 2 : 25 ، تث 28 : 13 ).. تذكر وعد الرب لشعبه فى العهد القديم حين دُمر الهيكل بسبب خروج الشعب عن مشيئته .. هل كان وعـده أن يعيـد الهيكـل إلي ما كان عليـه قبل تدميره ؟ .. كلا ، بل أن يصبح أعظم مما كان « مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد [البيت] الأول » ( حج 2 : 9 ) .. أيها الحبيب ، كفي استمرار فى الأوجاع .. تعال إلي الرب معترفاً بأخطائك معلناً رغبتك أن تسير فى مشيئته .. ثق إنه سيعالج كل ما حدث لتعود أعظم مما كنت قبل أن تخطىء .. لا تنـس إنـه يحـبك بلا حـدود .. وإنـه يريـد أن يقـودك ليُشبع نفسـك فتصـير « كجـنة رَيَّـا » ( إش 58 : 11 ) ..
2 كن يقظـاً
تُري هل انتبهت من قبل إلي كلمات هذه الآية من رسالة أفسس : « لأننـا نحـن عمله مخلـوقين فى المسـيح يسـوع لأعمـال صـالحة قد سبـق الله فأعدها لكى نسـلك فيها » ( أف 2 : 10 ) هل خُلقت فى المسيح يسوع ؟ .. إن كل من نال الميلاد الثاني خلق فى المسيح يسوع .. ولكل من خلق فى المسيح تقول هذه الآية « أنت عمل الله .. لقد أعد لك خطة لحياتك كى تسلك بحسبها ».. قارئى العزيز ، إن لم تكن قد نلت هذا الميلاد الضرورى لدخول ملكوت الله ( يو 3 : 3 ) ، فبإمكانك أن تنـاله الآن .. تعـال إلي الله رافضاً خطاياك .. تعال إليه مؤمناً بالرب يسوع إنه مخلصك الوحيـد وبثقـة إن دمه الثمين يطهـرك من كل خطيـة .. تعال إليه قائلاً له من قلبك : إنني أقبل الرب يسوع فى قلبي بالإيمان .. إنني أؤمن إنه مات لأجلى متحملاً عقوبتى .. وإنه قام من الأموات ليهبنى الخلاص مجاناً .. بكل تأكيد سيستجيب الله لك فى الحال وسيلدك من جديد « كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح [أى المخلص والرب] فقد وُلد من الله » ( 1 يو 5 : 1 ) .. نعم ستخلق من جديد فى المسيح ، وسيمكنك أن تقول واثقاً بحسب كلمات رسالة أفسس : إلهى العظيم أعد خطة عظيمة لحياتى
معوقات إتمام الخطة كما يقول الكتاب المقدس إن الله صمم للمؤمن خطة عظيمة فهو يحثه أيضاً أن يكون يقظاً منتبهاً فى قراراته حتي لا يخطىء ويسير خارج هذه الخطة .. فهناك العديد من الأمور التى إذا لم يتعامل معها المؤمن بيقظة وحذر أخرجته عن مشيئة الله وقصة السفينة الغارقة تُظهر لنا بعضاً منها .. يقول لوقا : « كان قائد المئة ينقاد إلي رُبَّان السفينة وإلي صاحبها أكثر مما إلي قول بولس [الذي يعلن مشيئة الرب] . ولأن المينا لم يكن موقعها صالحاً للمشتي استقر رأى أكثرهم أن يُقلعوا من هناك أيضاً عسي أن يمكنهم الإقبال إلي فينكس ليشتوا فيها .. فلما نسمت ريح جنوب ظنوا أنهم قد ملكوا مقصدهم فرفعوا المرساة [ليبحروا] » ( أع 27 : 11 ـ 13 ) اقرأ هذه الكلمات جيداً فهى تُظهر بجلاء المؤثرات التى جعلت قائد المئة يتخذ القرار الخاطىء ويخرج عن مشيئة الله .. وهى ذات المؤثرات التى يجب علينا أن نتعامل معها بحذر : 1 ـ قوة المنطق العقلى .. رأى كل من ربان السفينة وصاحبها .. 2 ـ ضغط الظروف الغير مريحة .. ميناء الموانى الحسنة غير صـالحة للمشتي .. 3 ـ جاذبية السهولة والراحة .. فينكس ميناء قريب ومناسب للشتاء .. 4 ـ تأثير الأغلبية .. قرار الإبحار كان رأى أغلبية الركاب والبحارة .. 5 ـ البداية الخادعة .. هبوب الريح الجنوبية المطمئنة ..
أولاً : قوة المنطق العقلى « كان قائد المئة ينقاد إلي رُبَّان السفينة وإلي صاحبها » .. فإلي من يشير كل من ربان السفينة وصاحبها ؟ ربان السفينة .. هو شخص متخصص فى قيادة السفن ، رأيه فى ظروف الإبحار يعتمد علي دراية ضخمة وخبرة طويلة .. فهل هناك خطأ فى أن تأخذ برأى المتخصصين وأصحاب الخبرة ؟ .. بالطبع من الضرورى أن تطلع علي ما يقوله المتخصصون وأصحاب الخبرة وليس فى ذلك أى خطأ بل إن تجاهل رأى هؤلاء يعد خطأ .. تقول كلمة الله عن سليمان إنه « كان حكيماً وأيضاً علّم الشعب علماً ووزن وبحث » ( جا 12 : 9 ) .. كما كان سليمان يزن ويبحث ينبغى عليك أن تبحث عن رأى ذوى الخبرة وهذا أمر واجب .. إلا أن عليك أن تحذر من أمرين :
• أن تهمل الصلاة بإيمان أن يقودك الرب لتتحدث إلي الأشخاص المناسبين وفى التوقيت السليم .. • أن تكتفى برأى هؤلاء وتتعجل فى اتخاذ قرارك دون أن تهتم بأن تراجعه مع الرب فى خلوتك معه حتي تتأكد أن هذا القرار فى مشيئته .. وماذا عن صاحب السفينة الذى انقاد قائد المئة إلي رأيه ؟ .. من البديهى أن يكون صاحب السفينة هو أكثر الأشخاص حرصاً علي سلامتها والأكثر تحفظاً فى المجازفة حتي لا يعرضها لأى أذي .. فهل من الخطأ أن تتخذ قرارك اعتماداً علي ما يقوله لك أمثال صاحب السفينة ؟ .. وبكلمات أُخري إذا وجدت أن أشخاصاً يواجهون نفس الظروف التى تعانى منها قد تدارسوا الأمر جيداً واتخذوا قراراً معيناً وكنت علي يقين من أن هذا القـرار له نتائـج تؤثر عليهم بدرجة أكبر مما هى عليك ، فهل هناك خطر فى أن تتبني قرارهم؟.. بالطبع ليس خطأ أن تستفيد من الآخرين .. لكن الخطر أن تتبني آراءهم دون فحص ، ودون استشارة الرب .. فأصحاب المصلحة الكبري هم أيضاً معرضون للانخداع .. تعلّم مما حـدث ليهوشافاط ملك أورشليم ، لقد عرّض نفسه لخطر الموت لأنه تبني قرار الحرب الذي اتخذه آخاب ملك السامرة دون أن يفحص الأمر بنفسه جيداً ( 2 أي 18 ) .. نعم عادة ما يميل ذهن الإنسان إلي ضرورة اتخاذ القرار الذى ينصح به المتخصصون وأصحاب الخبرة وذوو المصلحة الكبري .. لكن ألم يكن هذا ما فعله قائد المئة الذى نفذ رأى ربان السفينة وصاحبها ، فكانت الكارثة ؟!
مبصر يقود مبصر تحدث الرب يسوع عن قيادة المعلمين اليهود للشعب وقت أيامه بالجسد علي الأرض فقال : « هم عميان قادة عميان . وإن كان أعمي يقود أعمي يسقطان كلاهما فى حفرة » ( مت 15 : 14 ) الرب لا يريد قادة عميـانـاً يقـودون أشخاصـاً عمياناً بل قادة مبصرين يقودون أشخاصاً مبصـرين ( 1 كو 14 : 29 ) .. فإذا كنت فى موقف قائد المئة فلا تكن شخصاً أعمي تترك ربان السفينة وصاحبها يقودانك باعتبار أنهما المبصران .. كلا ، الرب يريدك أنت أيضاً مبصراً تستشعر إذا ما كان ما يقولانه لك صائباً أم لا .. استمع أليهو رجل الله إلي كلمات حكماء ثلاثة فهل التزم بكل ما قالوه ؟ .. أنصت إليه وهو يتحدث إليهم قائلاً : « اسمعوا أقوالى أيها الحكماء وأصغوا لى أيها العارفون . لأن الأذن تمتحن الأقوال كما أن الحنك يذوق طعاماً . لنمتحن لأنفسنا الحق ونعرف بين أنفسنا ما هو طيب » ( أى 34 : 2 ـ 4 ) نعم لا تهمل ما يقوله لك أصحاب الخبرة والمصلحة الكبري .. لكن امتحن رأيهم : • هل لا يتعارض فى أى شىء مع ما تقوله كلمة الله ؟ • وهل يعطيك الله سلاماً فى كل مرة تطرح الأمر أمامه فى صلاتك ؟ • هل لا يوجد تحذير من مؤمنين ممتلئين بالروح مشهود لهم بالأمانة إزاء هذا القرار؟ سنتعرض لهذه الأمور بالتفصيل فيما بعد .. أما الآن فنؤكد علي خطـورة الاعتمـاد علي حكمة العقل وحدها ، فالعقل لا يصيب فى حكمه دائماً .. كان أصدقاء أيوب الثلاثة معروفين بحكمتهم الكبيرة التى تعتمـد علي ما يقوله المنطـق العقلى وخبرة السنين .. حتي أنه قال عنهم « صـحيح [بلا شـك] إنكم أنتم شـعب [الشـعب] ومعكم تمـوت الحكمـة [أى بموتكم] » ( أى 12 : 2 ) .. فهـل أفاد هـؤلاء الحكماء أيـوب فى محنته ؟ .. أيوب قال لهم عن حــديثهم معه « معـزون متعبـون كلكم » ( أى 16 : 2 ) ، والرب تحـدث لواحد منهم قائلاً « قد احـتمي غضبى عليـك وعـلي كلا صـاحبيك لأنكـم لم تقـولوا فى الصـواب » ( أى 42 : 7 ) .. أيها الحبيب ليس دائماً « الخبز للحكماء [أى تفشل حكمتهم فى إيجاد الخبز لأنفسهم فى وقت المجاعة] ولا الغني للفهماء ولا النعمة [فى عينى الناس] لذوى المعرفة » ( جا 9 : 11 ) .. ليس معني هذا أن ما يقوله العقل هو دائماً خطأ .. كلا ، فالعقل من هبات الله الثمينة التى بارك بها الإنسان ولذا عليك أن تستخدمه باجتهاد وأن تقدّر جداً ما يقوله لك .. لكن الخطر يكمن فى أن يكون عقلك فاسداً بسبب الخطية متأثراً بأفكار إبليس .. والخطر أيضاً أن تُسلم بما يقوله عقلك ولا تمتحنه بروحك فى حضرة إلهك وفى ضوء كلمته ..
ثانياً : ضغط الظروف الغير مريحة يخبرنا سفر الأعمال أن السبب الذى جعل البحارة والركاب يفكرون فى ترك ميناء الموانى الحسنة والرحيل إلي فينكس هو أن هذا الميناء لم يكن مناسباً لقضاء فصل الشتاء الذى كان قد بدأ .. كثيراً ما تدفعنا الظروف الغير مريحة من خشونة الحياة والمضايقات إلي قرارات مندفعة ومتعجلة للهروب منها .. هناك أمثلة علي ذلك فى الكتاب المقدس منها ما ورد فى الأصحاح الأول لسفر راعوث حين قرر أليمالك أن يرحل هو وعائلته إلي بلد آخر هرباً من ظروف المجاعة التى حدثت لشعب الله .. تطلـع أليمـالك إلـي بـلاد مـوآب القريبـة فجذبته بحقولها ومراعيها ، فاندفع إليها هرباً من الظروف المعيشيـة الصـعبة فى بلاده متغاضياً عن تحذير الله للشعب ألا يدخلوا فى شركة مع الموآبيين ( تث 23 : 6 ) لأنهم وثنيون ، وهناك خطر التأثر بأفكارهم وعاداتهم الوثنية .. ماذا جني أليمالك بهروبه وهل حقاً نجا ؟ .. يخبرنا سفر راعوث إنه مات فى موآب ، ليس هو فقط بل أيضاً مات ابناه دون أن ينجبا أطفالاً .. أيها الحبيب احـذر ضغط الظـروف المعيشية الصعبة .. احذر أن تدفعك للخروج مثل أليمالك عن مشيئة الله .. تأمل ، لقد حاول إبليس أن يستخدم هذا النوع من الضغط مع الرب يسوع .. وقد كان الرب يقدم نفسـه نموذجاً لنا فى هذا الموقف لذا لم يتصرف بقوة لاهوته بل كإنسان مثلنا .. ويجب ألا ننسي إن الرب يسوع هو الإله المتجسد ، الإله والإنسان فى ذات الوقت .. كإنسان ترك الرب إبليس يقترب إليه ليجربه كى يقدم لنا دروساً عظيمة فى النصرة .. بعد أربعين يوماً من الصوم جاع الرب [كإنسان] فاقترب إبليس إليه مقترحاً عليه أن يحول الحجارة إلي خبز كى يأكل ويتخلص من الجوع .. كيف أجاب الرب ؟.. لقد رد علي إبليس مستشهداً من سفر التثنية ( تث 8 : 3 ) : « مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله » ( مت 4 : 4 ) هذه الكلمات تعنى بوضوح إنه ما من إنسان يقدر أن يتمتع بالحياة الحقيقية إذا تصرف بدون كلمة من الله .. أى إذا تصرف مستقلاً عنه مهما فعل حتي لو نجح بمعجزة فى التخلص من الموت جوعاً ، حتي لو استطاع أن يحول الحجر إلي خبز .. آه أيها الحبيب ، لن يكون لك حياة ، لن تتخلص تخلصاً حقيقياً من جوع جسدى أو جوع عاطفى أو ظروف خشنة قاسية إذا تصرفت مستقلاً عن إلهك ، خارجاً عن مشيئته .. ولو كان أليمالك قد انتبه إلي هذه الآية التى اقتبسها الرب من سفر التثنية لأدرك أنه لن تكون له حياة فى بلاد موآب برغم خبزها الوفير لأنه يذهب إليها بدون كلمة من الله بل وهو يعصيها ( تث 23 : 6 ) .. أيها الحبيب ، هذا لا يعنى مطلقاً أن تكون سلبياً فلا تبحث عن منفذ لتحسـين ظروفك المعيشية .. كما لا يعنى أن يصير اتجاه تفكيرك الاستسلام للضيقة .. لا ، فهذا اتجاه انهزامى .. إنما المقصود أن تكون حذراً يقظاً حينما تجد المنفذ فلا تخطو إليه قبل أن تمتحـن هذه الخطـوة فى محضر الرب لتتأكد : • إنها لا تتعارض فى شىء مع ما قالته كلمة الله فى الكتاب المقدس .. • وإن الرب يملأ قلبك بالسلام كلما حدثته عنها .. باختصار أن تكون متيقناً أن هذا المنفذ هو من يد الرب وفى مشيئته ..
يعقوب والمجاعة تعرض يعقوب وأولاده إلي مجاعة قاسية ومستمرة ثم وجد أمامه المنفذ .. لقد أرسل إليه ابنه يوسف الذى أصبح الرجل الثانى فى مصر يدعوه إلي مصر حيث القمح الكثير ( تك 45 : 9 ـ 11 ) .. انظر ماذا كان يدفع يعقوب إلي التحرك إلي هذا المنفذ ، مصر .. من ناحية كانت المجاعة قاسية جداً وكان إلحاح يوسف عليه أن يأتى إلي مصر شديداً ، ومن ناحية أخري كان قلب يعقوب متحرقاً بالشوق لمقابلة ابنه يوسف الذى لم يره لسنوات طويلة بل وكان قد حسبه فى عداد المفقودين .. ولكن علي الرغم من تجمع هذه العوامل الدافعة للتحرك إلي مصر بسرعة وقف يعقوب فى الطريق عند بئر سبع ليقدم ذبائح لله .. فهو لا يريد أن يندفع مستمراً فى طريقه إلي مصر بسبب ضغط المجاعة أو شدة عاطفته الأبوية .. لا .. لا يريد أن يذهب إلي مصر والله ليس معه .. لا .. لا يريد أن يكـرر خطـأ إبراهيم حينما ذهب إلي مصر فى وقت المجاعة دون أن يستشير الله ( تك 12 : 10 ـ 20 ) .. أيها القارىء الحبيب ، حينما يمتلىء قلبك بالإصـرار علي معرفة مشيئة الله بهدف أن تخضع لها ، فإن الله بكل تأكيد سيعلن لك مشيئته بكل وضوح .. يقول سفر التكوين إن الله كلم يعقوب بعد أن قدم الذبائح .. « فكلم الله إسرائيل [يعقوب] فى رؤي الليل وقال يعقوب يعقوب .. أنا الله إله أبيك . لا تخف من النزول إلي مصر .. أنـا أنــزل معـك إلــي مصــر » ( تك 46 : 2 ـ 4 ) يا لها من كلمات .. « أنا أنزل معك » .. سيُسمعك الله إياها فى كل مرة تخطو خطوة بحسب مشيئته ..
ثالثاً : جاذبية الراحة والسهولة مَن قال إنه ليست للراحة جاذبية ؟! .. ألم يكن لميناء فينكس جاذبية قوية لقائد المئة والبحارة وركاب السفينة بسبب الراحة التى يقدمها هذا الميناء لزواره .. فقد كان الأنسب لقضـاء فترة الشـتاء القارصـة البرودة التى تتوقف فيها الملاحة نظراً لأن موقعه يحميه من عواصف الشتاء .. ومن قال إنه ليست للسهولة جاذبية ؟! .. ألم تشجع سهولة الوصول إلي ميناء فينكس من ميناء الموانى الحسنة قائد المئة علي اتخاذ قراره بإبحار السفينة إلي هذا الميناء ، فالمسافة بين المينائين قصيرة لا تتجاوز عادة بضعة ساعات .. لكن انتبه ، ليس كل مكان مريح وليس كل طريق سهلة هو فى مشيئة الله .. وعندما لا تسير فى مشيئة الله فإن المكان المريح يصبح خشناً والطرق السهلة تصير خطرة .. أليس هذا ما نراه فى قصة السفينة ، لقد تحول الطريق القصير إلي فينكس إلي رحلة مرعبة انتهت بغرق السفينة .. وأليس هذا ما نجده فى قصة إبراهيم ، حينما لم يستشر الله واتخذ الطريق السهلة للإنجاب من خلال هاجر .. وكم كانت النتائج مؤلمة للغاية لذا حذرتنا كلمة الله بهذه الآية التي أرادت أن تؤكد علي أهميتهـا فدونتها لنا مرتين فى الأصحاحين 14 ، 16 من سفر الأمثال : « توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة [أى آمنة] ولكن عاقبتها طرق الموت » ( أم 14 : 12 ، 16 : 25 ) وأُنبهك ، إنه ليس خطأ أن تطلب المكان المريح والطريق السهلة والحل السلس للمشكلة والعمل الذى بلا مضايقات أو الذى عائده مرتفع .. لكن الخطر أن تنسيك جاذبية الراحة والسهولة والسلاسة أن تمتحن الأمر لتتيقن إنه فى مشيئة الرب ..
رابعاً : تأثير الأغلبية هل لفت نظرك فى قصة السفينة دور الأغلبية فى التأثير علي قائد المئة فى اتخاذه القرار الخاطىء بالإبحار إلي فينكس ؟ .. إن قراءة ما دوّنه سفر الأعمال تؤكد هذا : « ولأن المينـا [الموانـى الحسـنة] لم يكـن موقعهـا صالحـاً للمشتي استقر رأ|ى أكـثرهم أن يقلعوا من هناك .. » ( أع 27 : 12 ) وليست هذه هى القصة الوحيدة فى الكتاب المقدس التى تُظهر إن رأى الأغلبية ليس دائماً هو الرأى الصائب الذى فى مشيئة الله .. ففى سفر العدد أصحاح 13 نقرأ إن موسي أرسل اثني عشر شخصاً ليتجسسوا كنعان عادوا منقسمين إلي مجموعتين .. • عشرة منهم ( الأغلبية ) كان رأيهم ألا يذهب شعب الله إلي كنعان .. • واثنان ( يشوع وكالب ) أعلنوا إنه يجب علي الشعب أن يذهب إلي هناك .. وكان رأى الاثنين ( الأقلية ) هو الرأى الصائب بحسب مشيئة الرب .. ونجد مثالاً آخر فى سفر الملوك الأول أصحاح 22 حيث سأل آخاب الملك أنبياءه هل يذهب إلي راموت جلعاد لقتال ملك آرام أم يمتنع .. وجاءته الإجابة كالآتى : • أربعمئة قالوا أن يذهب للقتال وسينتصر .. • وشخص واحد هو ميخا أعلن إن الذهاب للقتال يعنى الهزيمة والموت .. ويا للدرس .. أربعمئة كانوا مخطئين فقد تحدثوا تحت سيطرة روح كذب ( 1 مل 22 : 23 ) فقالوا كذباً ، وواحد فقط كان مصيباً لأنه تكلم مقاداً بالروح القدس .. قارئى الحبيب ، ليس رأى الأغلبية دائماً هو الرأى الذى يتفق مع مشيئة الله .. لذا كن حذراً ولا تأخذ به قبل أن تكون : • واثقاً إنه لا يتعارض مع وصايا كلمة الله أو مع وعودها .. • ومطمئناً إنه فى مشيئة الله ..
خامساً : البداية الخادعة قد تتغير الظروف لتصير مشجعة علي اتخاذ الخطوة الخاطئة .. ولا عجب فى ذلك لأن لك خصـم يبغضك بشدة قالت كلمـة الله عنه إنه حـية ماكـرة ( رؤ 12 : 9 ) .. إنه إبليس الذى إذا لم توقف بالإيمان عمله سيحرك الأحداث لتخدعك .. لنعد إلي قصة السفينة فلا يزال فى جعبتها دروس أُخري ثمينة .. يقول سفر الأعمال : « فلما نسـمت ريـح جنـوب ظنوا أنهم قد ملكـوا مقصـدهم [إلي فينكس] فرفعوا المرسـاة وطفقوا يتجـاوزون كـريت [ميناء الموانى الحسنة] » ( أع 27 : 13 ) انظر ، لقد خدعتهم هذه الريح الآتية من الجنوب ، فقد هبت هادئة وفى ذات الاتجاه الذى يريدونه مما جعلهم يظنون أن أحوال الجو قد تحسنت وليس من خطورة وأنهم سيبلغون فينكس المشتي الجيد بلا أدني تأخير .. ويا له من تشـجيع قـاتل ، فسـفر الأعمال يقول « بعد قليل [من إقلاع السفينة] هاجت ريح زوبعية يقال لها أوروكليدون » .. وكلمـة « أوروكليـدون » مـن جـزئين ، الأول " eurus " وتعنى « ريحاً شرقية » ، والثانى "aquillo" ومعناها « ريح شمالية » ، وهكذا فقد كان اتجاه قدوم هذه الريح ، الشمال الشرقى (2).. ألا تلاحظ هذا الانقلاب .. انقلاب من ريح آتية من الجنوب تدفع السفينة فى اتجاه فينكس إلي أخري آتية من الشمال الشـرقى تبعدها بقوة عن غايتها .. وانقـلاب من ريح هـادئة إلي ريـح هائجـة زوبعيـة ( عاصفة ) أحدثت إعصاراً عنيفاً أفقد البحارة تماماً سيطرتهم علي السفينة .. قارئى ، قد يرسل لك إبليس أحداثاً تشجعك علي أن تمضى فى الطريق الخطر .. هكذا فعل أيضاً مع يونان ..
قصة يونان طلب الله من يونان النبى أن يذهب إلي مدينة نينوي لينذرها بقضاء الله الآتى عليها بسبب شرورها إذا لم تتب .. ونينوي هى عاصمة مملكة أشور المملكة التى كانت تعادى شعب يونان وهاجمته كثيراً .. لقد شب يونان علي كراهية هذه المملكة أشور ، لذا لم يقبل أن يكون الأداة التى يستخدمها الله فى إعطاء نينوي عاصمة هذه المملكة الفرصة للنجاة من الدمار .. لقد انتصرت عداوة يونان لهذه المدينة نينوي الآشورية علي حرصـه علي طـاعة إلهـه ، فماذا فعل ؟ .. « قـام يونان ليهرب .. من وجـه الرب » ( يون 1 : 3 ) أى أنه ترك أورشليم المدينة التى كانت تضم فى كنفها رموز الحضور الإلهى ، الهيكل وتابوت العهد ، والتى كان له فيها شركة مع إلهه ، يصـلى إليه فى هيكلها ويقدم له الذبائح ويسمع صوته .. ترك أورشليم ليذهب إلي مكان بعيد جداً عنها ، مكان لا يوجد أدني احتمال أن يكون به أنبياء يبلغونه مرة أخري بأمر الله له أن يذهب إلي نينوي .. قرر أن يذهب إلي ترشيش ، أبعد مدينـة عن موطنه فى ذلك الوقت ، فى أقصي الغرب ( بجنوب أسبانيا ) .. فذهب إلي ميناء يافا باحثاً عن سفينة متجهة إلي هناك .. والسؤال هل وجد صعوبة ؟ .. الإجابة كلا .. تقول كلمة الله « نزل [يونان] إلي يافا ووجد سفينة ذاهبة إلي ترشيش » (يون 1 : 3 ) .. وكلمة « ذاهبة » فى الأصل العبرى تدل علي أن السفينة كانت تستعد للرحيل (3) .. أى أن يونان وصل إلي يافا فى الوقت الحرج ، فلو تأخر قليلاً لكان عليه أن ينتظر وقتاً طويلاً حتي يجد سفينة أُخري ذاهبة إلي هذه المدينة البعيدة .. ففى ذلك الوقت كانت السفن التى تقطع مثل هذه المسافات الشاسعة محـدودة للغـاية « كانت سـفن ترشـيش [أيام سليمان الملك] تأتى مرة فى كل ثـلاث سـنوات » ( 1 مل 10 : 22 ) .. وبلا شك فإن إبليس العدو الحقيقى ليونان كان يهمه جداً ألا ينتظر يونان فى يافا حتي لا تتاح له فرصة أن يعيد النظر فى قراره .. أيها الحبيب ، إذا اتخذت قراراً لتسير فى طريق خارج مشيئة الرب ، فسيحاول إبليس قدر استطاعته أن يدفعك دفعاً للسير فيه .. سيقدم لك كل التشجيعات الممكنة لديه .. وقد يقدر أن يسهل لك البداية .. لكن ليس معني ذلك أن سهولة أى أمر فى بدايته تدل علي أنه ليس فى مشيئة الله .. كلا ، لكن الاحتياج إلي التمييز .. أن تميز هل هذه السهولة هي من الله لتشجيعك أم من إبليس لخداعك .. والتمييز ليس صعباً بل أمر فى استطاعة كل مؤمن .. كان لدي بولس القدرة علي التمييز لذا لم تخدعه الريح الجنوبية الهـادئة مثلما خدعت قائد المئة والبحارة .. هذا هو مصدر الأمان أن تكون لك القدرة علي التمييز .. نعم فى استطاعة كل مؤمن له علاقة حقيقية بالرب يسوع أن يميز الأُمور فيسير فى الطريق الآمن الذى فى مشيئة الله .. وسوف ننشغل معاً بالتفصيل فى صفحات قادمة فى موضوع القدرة علي التمييز .. أما الآن فارفع قلبك إلي الله قائلاً : « أعـط عبـدك قلبـاً فهيماً [ يميز الأُمور ] » ( 1 مل 3 : 9 )
علاقة حميمة
رأينا كيف أبحرت السفينة تحت ضغط ظروف الإقامة الصعبة فى الموانى الحسنة خلال فصل الشتاء ، كما يخبرنا سفر التكوين عن تحرك إبراهيم إلي مصر تحت ضغط المجاعة .. وكلاهما ، السفينة وإبراهيم ، تحركا فى الاتجاه الخاطىء خارج مشيئة الله وتعرضا للأذي .. لكن الكتاب المقدس يقدم لنا أيضاً أمثلة لأشخاص آخـرين دفعتهم الضيقـات للتحرك فى مشيئة الله .. اضطهد شـاول داود ، فدفعه ضغط هذا الاضطهاد أن يهرب إلي مغارة عدلام ( 1 صم 22 : 1 ) ، واضطهد كلوديوس اليهود فحدث ضغط علي أكيلا دفعه أن يهرب من روما ويذهب إلي كورنثوس ليسكن فيها فكان وجوده بها عوناً قوياً للرسول بولس ( أع 18 : 2 ، 3 ) .. فهل كان تحرك داود وأكيلا خارج مشيئة الله .. كلا ، بل فى صميم خطته لهما .. وتستطيع قارئى العزيز أن تقارن بين حالتى الهروب إلي أرض مصر ، هروب الرب يسوع وقت أن كان طفلاً صغيراً وهروب قادة أُورشليم أيام إرمياء النبى .. ففى كلتا الحالتين كان الهروب حرصاً علي السلامة من إيذاء أحد الملوك .. فقد عزم هيرودس علي قتل الرب يسوع وعـزم ملك بابـل علي مهـاجمـة أُورشليم .. لكن فيما كان الهروب الأول هو مشيئة الله ( مت 2 : 13 ) ، فإن الهروب الثانى كان مضاداً تماماً لمشيئته ( إر 42 : 13 ـ 18 ) .. كما رأينا فى الفصل السابق كيف جذبت مصر يعقوب بظروفهـا السهلة المريحة .. جذبته بقمحها الكثير ( تك 42 : 1 ) فى وقت كانت أرضه تقاسى من المجاعة القاتلة ، وجذبته أيضاً بابنه يوسف إذ كان نائباً لفرعون ملكها .. ولم يكن تحرك يعقوب إلي مصر خارج خطة الله التى رسمها له ( تك 46 : 3 ) .. وماذا عن السهولة فى بداية أمر ما ، هل هى دائماً من إبليس لخداعنا ؟ .. والإجابة أيضاً لا ، فقد اتسمت رحلة عبد إبراهيم لاختيار زوجة لإسحق بالسهولة وكانت من يد الله ( تك 24 : 12 ، 44).. وماذا عن رأى الأغلبية ، هل يحدث تشويشاً دائماً فلا نسمع صوت الله ؟ .. فى سفر الأعمال نري الرسل والمشايخ فى أورشـليم يجمعون علي رأى هو فى مشيئـة الله ( أع 15 : 22 ) ، وفى سفر يونان نجد أن إجماع البحارة علي إلقائه فى البحر كان أيضاً فى مشـيئة الله ( يون 1 : 15 ) .. بينما رأينا فى قصة غرق السفينة إن رأى الأغلبية كان خاطئاً وليس بحسب مشيئة الله .. أيها الحبيب ، من كل هذا نري إنه لابد لنا من الاعتماد علي الرب حتي نقدر أن نميز بين حالة وأُخري ، فنعرف : • متي نأخذ بما يقوله المنطق العقلى ومتي نقول له لا ؟ • ومتي نقبل الظروف الصعبة ، ومتي نتحرك هاربين منها ؟ • ومتي نأخذ السهولة علي إنها تشجيع من الرب ، ومتي تكون خداعاً من إبليس ؟ • ومتي نخضع لرأى الأغلبية ، ومتي نقول له لا ؟
تمييز الوقت فى مزمور 32 تسمع وعد الرب العظيم بأنه سيقودك ، وتري من نتائج هذه القيادة القدرة علي التمييز بين وقت وآخر ، هل هو وقت التحرك السريع أو السير البطىء أم الانتظار .. يقول الرب : « أُعلمك وأُرشـدك الطـريق التى تسلكها . أنصحك . عينى عليك . لا تكونوا كفرس[مندفعين ، متسرعين] أو بغل [متأخرين ، متباطئين] بلا فهم » ( مز 32 : 8 ، 9 ) الرب يعلمك ويرشدك وينصحك لكى لا تتحرك كالفرس السريع الذى بلا فهم فتتسرع فى انجاز أمر ما بينما يكون الوقت هو وقت الانتظار .. وأيضاً حتي لا تكون كالبغل البطىء الذى أيضاً بلا فهم فتتباطأ وتتكاسل بينما الوقت هو وقت العمل بسرعة وإذا أردنا أن نتحدث بالأمثلة الكتابية فأمامنا : • يوشيا الملك مثال للفرس المندفع بحماقة .. اندفع إلي الحرب مع ملك مصر بلا تبصر ودون أن يستشير الله ، غير مبالٍ بتحذير ملك مصر له « مالى ولك يا ملك يهوذا لست عليك أنت اليوم ... » ( 2 أخ 35 : 21 ) .. ولم يأخذ فى اعتباره أن أمته غير تائبة وبالتالى لن تكون مؤيدة بالرب .. فانهزم ومات فى معركة مجدو .. • ولوط مثال للبغل الذى بلا فهم .. لقد تباطأ فى وقت كان يجب أن ينطلق فيه بأقصي سرعة .. تباطأ عن الخروج من بيته الذى كان فى مدينة سدوم وهى علي وشك الاحتراق ، وأرسل الرب إليه مـلاكان لينقذاه قائلين له « كل من لك أَخرج من المكان » ( تك 19 : 12 ) .. ويقول سفر التكوين « ولما تواني أمسك الرجلان بيده .. لشفقة الرب عليه وأخرجاه ووضعاه خارج المدينة » ( تك 19 : 16 ) .. أيها الحبيب علاقتك الوثيقة بالرب ستحميك من : • الاندفاعات السريعة التى عادة ما تتسم بها الشخصيات العاطفية سريعة التأثر [ما يرمز إليه الفرس] .. • ومن البـطء الشـديد الـذى نـراه كـثيراً فى الشخصيات العقلانية المتحفظة الثقيلـة الحـركة [ما يرمـز إليه البغـل] .. وقد تسألنى كيف أتأكد من أننى لست كفرس مندفع أو كبغل متباطىء ؟ .. أيها الحبيب ، لا بديل لك عن العلاقة الحميمة بالرب إن أردت أن تكـون مثل بنى يسـاكر الذين قـال عنهم الوحـى إنهـم « الخـبيرين بالأوقـات » ( 1 أى 12 : 32 ) .. فلا بديل لك عن هذه العلاقة الحيّة إن أردت أن تتحاشي التخبط والفشل والإحباط وإن أردت أن تتجنب تدميرك لنفسك أو لغيرك .. كما لا بديل لك عنها إن رغبت أن تحظي بالشبع والقوة والنجاح والحيوية .. فهل تتمتع بهذه العلاقة التى تحظي من خلالها بقيادة الرب ؟ .. نعم لا بديل عن هذه العلاقة الحميمة إن أردت الرب قائداً لك .. علّق إنجيل مرقس علي اختيار الرب يسوع لتلاميذه الاثني عشر فقال « وأقام اثني عشر ليكونوا معه وليرسلهم ليكرزوا » ( مر 3 : 14 ) .. لاحظ الترتيب « ليكونوا معه » قبل « ليكرزوا » .. فلن تكون مؤمناً تسير فى مشيئته إن لم تتمتع بالوجود قريباً منه .. إن الذين لهم علاقة معه مستمرة هم الذين يعطونه الفرصة أن يقودهم .. استمع إلي حبقوق النبى وهو يقول : « علي مرصدى أقف .. وأراقب لأري ماذا يقول لى [الرب] » ( حب 2 : 1 ) .. أى مرصد يتحدث عنه النبى ؟ ليس مكاناً آخر غير مكان شركته مع الرب .. فهل لديك هذا المرصد الذى تدخل فيه وتري ما يقوله الرب .. قارئى الحبيب ، إن كانت لديك هذه العلاقة الحميمة مع الرب فلتثق كل الثقة إنه سيريك مشيئته بكل وضوح عند اتخاذك القرارات الكبيرة التى لها آثار عظيمة وممتدة [كقرار اختيار الزوجة ، مكان المعيشة ، التفرغ للخدمة أو الهجرة .. إلخ] ..
القرارات الصغيرة وربما تتساءل وماذا عن القرارات الصغيرة التى نتخذ الكثير منها كل يوم [ ماذا أرتدى من ثياب ، ماذا أتناول من طعام ، متي أذهب للنوم ، ماذا أشترى لبيتى من هذا المكان ، هل أذهب لتناول الطعام مع صديقى .. إلخ] ؟ .. بالطبع أنت لا تقضى وقتاً مع الرب تنتظر فيه كى تسمـع منه كلمـة واضحة لمثل هذه القرارات الصغيرة .. أنت وأنا نتخذ هذه القرارات ببساطة ، لكن هذا لا يعنى أن هذه القرارات دائماً لها آثار صغيرة .. كلا ، أحـياناً القرارات الصـغيرة يكون لها آثار كبيرة .. كمثال ، قرار شخص وهو فى المطعم أن يتناول نوعاً معيناً من الطعام [قرار صغير] قد يعرضه للتسمم [أثر كبير] إذا كان هذا الطعام فاسداً .. كما أن ارتداء قميص جديد [قرار صغير] قد يتسبب فى فتح حوار مع أحد الأشخاص ينتهى بسماعه أخبار الخلاص السارة [أثر كبير] .. أيها الحبيب ، لنثق إننا نتخذ قراراتنا الصغيرة أيضاً تحت هيمنة الرب .. ولنثق إنه لن يدعنا نتخذ القرارات الصغيرة ذات الأضرار الضخمة .. كما لن يدعنا نمتنع عن اتخاذ القرارات التى يأتى لنا من وراءها فوائد غير متوقعة .. واسمح لى أن أقول لك إنه يمكنك أيضاً أن تدخل إلي محضر الرب للحظات لتطلب قيادة الرب فى العديد من القرارات الصغيرة .. لا أقصد أن تدخل حجرة مغلقة لتصلى بل أن ترفع صلاة سريعة أثناء عملك أو سيرك فى الطريق أو وأنت تمارس هوايتك أو أثناء حـوار مع أحـد الأشـخاص لتصلى صلوات قصـيرة كهـذه « سـاعدنى أن أجـد قلمى .. » .. « أرشدنى فى أى طـريق أسـير بلا تعطيـل .. » .. « أري صديقى متضايـق أرشدنى ماذا أقول له .. » .. وهكذا .. إن هـذا من ضمن ما تعنيه الآيـة القائلـة « صلوا بلا انقطاع » ( 1 تس 5 : 17 ) .. آه أيها الحبيب ، إن أمورنا الصغيرة هى عظيمة فى عينيه لأن محبته لنا عظيمة .. إن كان يهتم بالعصفور الزهيد القيمة ( مت 10 : 29 ) فهو بكل تأكيد يهتم بالقلم الذى أكتب به وبالطريق الذى أسير فيه آمناً وبحوارى مع صديقى الذى أري علي وجهه ملامح الاكتئاب .. فلتكن علاقتنا حيّة معه حتي نتمتع بقيادته ، يقول لنا سفر الأمثال هذه الآية التى تحمل لنا وعداً عظيماً : « فـى كل طرقك أعرفه وهو يقوّم سبيلك » ( أم 3 : 6 ) « اعرفه » هى ترجمة للكلمة العبرية «yada» التى تعنى يعرف عن طريق الملاحظة والاختبار .. وأن تعرف الله يعنى أن تكون لك معه علاقة حميمة مباشرة اختبارية (4) .. فى كل طرقك لتكن لك معه هذه العلاقة الوثيقة ومـا أعظـم النتيجة « هو يقوّم سبلك » .. وكـلمة « يقوّم » فى أصلها العبرى «yashar» تعنى يجعل مستقيماً وسلساً (5) ، فالرب سيقودك جاعلاً طرقك مستقيمة تصل بها إلي أهدافك بسلاسة .. وماذا أيضاً من بركات عظيمة نتيجة لعلاقتك الحميمة معه وقيادته لك ؟ .. هيا افتح سفر إشعياء أصحاح 58 واقرأ معى هذا المقطع الممتع .. « يقودك الرب علي الدوام ويشبع فى الجدوب [القحط] نفسك وينشط عظامك فتصير كجنة ريا [مروية] وكنبع مياه لا تنقطع مياهه ومنك تبني الخرب القديمة .. فإنك حينئذ تتلذذ بالرب » ( إش 58 : 11 |