الـخـــروف

تمتع به

واسترد ما سُلب منك


1ـ لو كنت أنا الوحيد

يحبك .. نعم يحبك بلا حدود ..

لم ولن يحبك شخص مثلما يحبك هو ..

إنه يحبك مهما كانت عيوبك أو أخطاؤك .. يحبك حتي لو كنت من البعيدين عنه أو من الرافضين محبته ..

إنه يسوع ، المحب الأعظم ، المخلّص والمحرر والطبيب الذي يود أن يجعل حياتك رائعة وعظيمة ..

إنه يسوع المسيح ، الذي ذهب إلي الصليب ليخلّصك من الهلاك الأبدي الذي تستحقه بسبب خطاياك ، فكم أحبك ..

إنه يسوع الذي يريد أن يحررك من أي سلاسل قيدك بها إبليس سواء كانت سلاسل الإحساس بالذنب أو الخوف أو القلق أو الفشل أو الحزن أو النجاسة أو الإدمان .. أو أي نوع آخر من قيوده التي تجعل حياة الإنسان جحيماً مستمراً ..

إنه يسوع الطبيب الأعظم ، الذي « يشفي المنكسري القلوب ويجبر كسرهم » (مز 147: 3).. الذي يريد أن يشفي أعماقك من أي مرارة ويملأ قلبك بالراحة والطمأنينة .. وما أحلي التعزيات التي يود أن يُلذذ بها نفسك !!

إنه يعرفك بالاسم ، وكم يشاء أن ترحب به ليزيح عنك كل اللعنات وليفيض عليك بأعظم البركات .. وليجعلك دائماً في الارتفاع سـائراً من قوة إلي قوة ( مز 84 : 7 ) ، فتنتهي سنوات الضياع والبؤس ..

إن كل من يرحب به ترحيباً حقيقياً يجعله واحداً من خرافه الخاصة التي يرعاها بنفسه .. يعتني بها ، يحرسها ، يقودها ويسدد كل احتياجاتها ..

قارئي العزيز ، إن كنت لم ترحب به بعد ، ولم تتقابل معه في لقاء حقيقي غيّر حياتك تغيراً شاملاً ، فلتُقبِل إليه الآن .. سلّم له نفسك في الحال فتنال خلاصه العجيب .. إنه يحبك بلا حدود ..

الخروف

هذا الكتاب يُحدثك عن حبه العجيب الذي أحبك به لأنه يتأمل في واحد من ألقابه العظيمة التي تتحدث عن حبه .. هو لقب الحمل .. الخروف ..

قد تظن أن كلمة الله لقبته بالحمل ، الخروف نظراً لوداعته ، فالخروف يتميز بالوداعة .. نعم إننا لا نري الوداعة في كل كمالها إلا في شخصه المجيد ، وهو الذي منه نتعلم الوداعة الحقيقية .. لا ننسي كلمـاته لنا « تعلموا مني . لأني وديع ومتواضع القلب » ( مت 11 : 29 ) .. إلا أنه لم يُلقب بالحمل لوداعته بل لسبب آخر .. وهو إنه قدّم نفسه ذبيحة .. ذهب إلي الصليب ليُذبح وليسفك دمه الكريم لأجلي ولأجلك ..

الخروف لقب يُعبّر عن الذبيحة وسفك الدم .. فمنذ الصفحات الأُولي للكتاب المقدس ، والخروف يرتبط بالذبح وسفك الدم وأول إشارة هي في الأصحاح الرابع من سفر التكوين أول أسفار الكتاب المقدس .. هابيل يُقدم ذبيحة لله ( عب 11 : 4 ) هي خروف مذبوح ..

والعهد القديم حافل بالمناسبات التي قُدمت فيها الخراف ذبائح لله .. هذه كلها كانت ترمز إلي الرب يسوع الذي قدّم نفسه ذبيحة لله .. لذا عندما رآه يوحنا المعمدان أشار إليه قائلاً :

« هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم »

( يو 1 :29 )

فليس سوي طريقة وحيدة تُرفع بها الخطية عن الإنسان ويُزال عقابها ، هي سفك الدم .. تقول كلمة الله بكلمات قاطعة « بدون سـفك دم لا تحصل مغفرة » ( عب 9 : 22 ) .. لذا ذهب الرب يسوع إلي الصليب ليُذبح كالحمل .. كالخروف ذهب ليسفك دمه الثمين لكي تُرفع عنك كل خطاياك ، فتنال الغفران ..

شهادة يوحنا المعمدان

رأي يوحنا المعمدان الرب يسوع مقبـلاً إليه فقال « هـوذا حمـل اللـه الذي يرفـع خطيـة العـالم » ( يو 1 : 29 ) .. وفي اليوم التالي لمحه يوحنا ماشياً، فلم يجد في داخله سوي نفس الكلمات ليكررها قائلاً للمرة الثانية : « هوذا حمل الله » (يو 1: 36) فليـس شـئ يفـوق هذه الحقيقـة .. إن الـرب يسـوع هو الحمـل الذي ذُبح ليرفـع خطـايانا أو بكلمـات أُخري ليزيل عنا عقاب الخطية ، الهـلاك الأبدي .. « يسوع الذي ينقذنا من الغضب الآتي » ( 1 تس 1 : 10 ) ..

آه قارئي الحبيب ، ألا تتجه الآن إلي الرب يسوع وتقول له :

أنت الحمل ..

أنت الذي ذُبحت لأجلي

لتزيل عني عقاب آثامي ..

أنت الحمل ..

أنت الذي أنقذتني من الغضب الآتي ..

إنني أحبك لأنك هكذا أحببتني ..

حمل واحد

إن كلمة « حمل » في كلمات يوحنا المعمدان « هوذا حمل الله » هي كلمة مُعرّفة في الأصل اليوناني تسبقها أداة التعريف « ho » .. لذا فالترجمة الأدق هي « هوذا الحمل .. » لأنه ليس سوي حمل واحد ، خروف واحد ذُبح لينقذ من الغضب الآتي.. يسوع.. أما هذه الأعداد المهولة من الخراف التي ذُبحت طوال زمن العهد القديم ، فقد كانت كلها إعداداً لذبحه هو علي الصليب .. لقد رسّخت في الأذهان احتياج الإنسان إلي كفارة .. إلي من يموت بدلاً منه لكي ينجو من العقاب .. كما أظهرت بكل الوضوح إنه لا بديل عن سفك الدم لنوال الغفران ..

وترمز إليه

لقد كان المؤمنون في العهد القديم يذبحون الخراف ويسفكون دماءها ويقدمونها علي المذبح كي ينجوا من عقاب الله لهم بسبب آثامهم .. والسؤال ، أليس الخروف في قيمته أدني من الإنسان ، فكيف كان الله يعتبره بديلاً عن الإنسان ليموت بدلاً منه متحملاً عقابه ؟!!

لا ، لم يكن الله يري هذه الخراف المذبوحة في حد ذاتها ، بل كان يري ما ترمز إليه .. كان يري الحمل .. الخروف.. الرب يسوع .. ولم يكن يري المذابح التي ذُبحت عليها هذه الخرفان ، كان يري بالحري ما ترمز إليه هذه المذابح .. كان يري المذبح الوحيد .. الصليب .. كان يري يسوع ، الحمل .. الخروف مذبوحاً علي الصليب ..

ففي موت الرب علي الصليب الكفاية كل الكفاية ليكون كفارة عن خطايا كل المؤمنين في كل العصور.. في كلا العهدين ، القديم والجديد .. في الماضي والحاضر والمستقبل (1 يو 2: 1 ، 2)..

الوحي يتدرج في الاعلان

انظر كيف تدرّج الوحي في اعلانه عن كفاية موت الرب يسوع « الخروف » لأجل كل المؤمنين في كل مكان وزمان ..

في سفر التكوين أول الأسـفار نري خروفاً يُقدّم لأجل إنسان واحد هو هابيل ( تك 4 ) ..

في سفر الخروج ثاني الأسفار نري خروفاً لكل عائلة ( خر 12 ) ..

وفي سفر اللاويين ثالث الأسفار نجد الخروف يُقدّم في يوم الكفارة عن كل الأُمة ( لا 16 ) ..

وفي إنجيل يوحنا رابع أسفار العهد الجديد نسمع كلمات يوحنا المعمدان تعلن بكل وضوح أن الرب يسوع خروف مذبوح لأجل كل العالم « هوذا حمل الله الذي يرفع خطيـة العالم » ( يو 1 : 29 ) ..

أيها الحبيب ، هذا التدرج في اعلان الوحي عن كفاية موت الرب هو ذات التدرج في رؤيتك لموته..

في البداية ، تدرك كخاطئ أن الرب مات لأجلك أنت ، كما لو كنت الوحيد الذي مات الرب لخلاصه.. تؤمن به بقلبك فتنال الخلاص ..

بعد ذلك تتطلع إلي خلاص عائلتك .. تري أن الرب مات لأجل عائلتك ليجعلها عائلة تتمتع بالحب والفرح والمجد .. فتصلي بإيمان كي يعرف كل شخص منها الرب المعرفة الاختبارية ، واضعاً نصب عينيك كلمات بولس إلي سجان فيلبي :

« آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك »

( أع 16 : 31 )

وكلمة الله تخبرنا عن بيوت « عائلات » اغتسل أفراد كل منها بدم الخروف ، يسوع ، وصارت له تمتع بحبه ورعايتـه وحمايتـه مثل عائلة اسـتفانوس ( 1 كو 1 : 16 ) وعائلة ليدية ( أع 16 : 15 )..

ثم تتسع رؤيتك كمؤمن ، فتري الرب قد مات لأجل أصدقائك ومعارفك فتصلي إلي الله كي يقودك لتساهم بطريقة أو بأخري كي يدركوا أن الخروف ذُبِح ليهبهم الحياة الأبدية ..

ومع الوقت تتسع رؤيتك أكثر وأكثر .. فتري الخروف مذبوحاً لأجل نفوس كل قبيلة ولسان وشعب وأمة ، ويشغلك الروح القدس بامتداد الكرازة بالخروف إلي أماكن بعيدة ..

ولكن تظل دائماً حقيقة أن الرب يسوع مات لأجلك لأنه أحبك حبّاً شخصياً خاصاً هي الحقيقة الأساسية التي تقوم عليها كل حياتك ..

قارئي العزيز .. دعني أُلذذ قلبك بواحدة من قصص الكتاب المقدس التي تُظهِر هذه الحقيقة .. إنها قصة تقديم إبراهيم لإسحق علي المذبح ( تك 22 ) ..

أراد الله أن يمتحن محبة إبراهيم له فطلب منه أن يقدم إسحق علي المذبح .. وكاد إبراهيم بالفعل أن يذبح إسحق ، يحكي لنا سفر التكوين :

« ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه . فنـاداه ملاك الرب من السماء وقال إبراهيم إبراهيم .. لا تمد يدك إلي الغلام .. فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكاً في الغابة بقرنيه . فذهب إبراهيم وأخذ الكبش [الخروف] وأصعده محرقة عوضاً عن ابنه[إسحق]» (تك10:22ـ13)

انظر هذا الكبش يُقدم عوضاً عن إسحق أي بدلاً منه .. لقد ذُبح الخروف لكي ينجو إسحق من الموت.. هل تري المعني ؟ .. آه أيها الحبيب بإمكانك أن تقول :

ذُبِح الرب يسوع

ونجوت أنا من الهلاك

انظر أيضاً ، الكبش ( الخروف ) قُدِّم في هذه القصة لإنقاذ شخص واحد هو إسحق .. وهكذا يمكن لكل شخص منا أن يقول لو كنت أنا الشخص الوحيد الخاطئ في كل تاريخ البشرية وكل أرجاء المسكونة.. لو كنت الوحيد المحتاج للخلاص لفعل الرب بكل تأكيد ذات ما فعله وذهب إلي الصليب ليتحمل نفس الآلام التي احتملها ليُذبح عوضاً عني أنا بمفردي لكي يُنجيني من الهلاك ..

إن كلمة الله تُظهر لنا بكل الوضوح هذا الحق العظيم ، إن حب الرب للإنسان ، هو حب شخصي لكل فرد .. ففي مَثل الخروف الضال نري الراعي يفتش عن خروف واحد فقط ( لو 15 : 4 ) .. وفي سفر أعمال الرسل نري الروح القدس يقود فيلبس المبشر ليترك السامرة مكان كرازته للجماهير الغفيرة ، والتي شهدت معجزات شفاء قوية ، ليذهب إلي مكان بعيد عن السامرة بنحو مئة كيلو متراً ليقابل شخصاً واحداً..ليُبشره بيسوع (أع 5:8ـ26،8ـ35)..

القارئ العزيز .. الرب يسوع يحبك حباً شخصياً وخاصاً وفريداً كما لو كنت أنت الخاطئ الوحيد في كل العالم الذي مات لأجله ..

انظر كيف عبّر الرسول بولس عن إدراكه بأن الرب أحبه هذا الحب الخاص في هذه الكلمات التي تلمس القلب :

« [الرب يسوع ] الذي أحبني وأسلـم نفسـه لأجلـي »

( غلا 2 : 20 )

تأمـل ، لم يقل « الذي أحبنا .. » بل « الذي أحبني » .. فهناك فرق بين أن تقول إن الرب مات لأجل الجميع ، وبين أن تقول إنه مات لأجلي أنا.. أسلم نفسه لأجلي أنا .. أعطاني الحياة الأبدية .. أعطاها لي أنا ..

قارئي العزيز ، إنني أدعوك أن تتأمل هذه الحقيقة التي لا تُقدر بثمن ..

لقد أحبك يسوع حباً خاصاً وعجيباً ..

ذُبِح كخروف لأجلك ..

هيا قل بكل قلبك :

كخروف ذُبح لأجلي أنا ..

إنه يحبني ..

نعم يحبني ، وبلا حدود !!

2 – أنا ملك و كاهن

الخروف .. الحمل .. هذا اللقب المُعبّر جداً من ألقاب الرب يسوع والذي يحدثك عن محبته العظيمة لك يُقابلك في أسفار عديدة من الكتاب المقدس .. في أول الأسفار ، التكـوين وأيضـاً في آخرها ، الرؤيا .. وفي أسفار أُخري بينهما منها سفر إشعياء ..

السفر الأول

نتقابل مع هذا اللقب للمرة الأُولي في الأصحاح الرابع من سفر التكوين حيث نقرأ أن هابيل ذبح خروفاً وقدمه علي المذبح ذبيحة لله ، فقبله الله وحسبه باراً ( تك 4: 4، عب 11: 4 ) بينما قدم أخوه قايـين من ثمار عمله في زراعة الأرض ، فلم يقبله الله ( تك 4 : 5 ) ..

هذا الخروف المذبوح الذي قدمه هابيل يحدثنا عن الرب يسوع ، الخروف والحمل المذبوح علي الصليب .. والمعني الذي تقدمه هذه القصة هو حق أساسي وعظيم .. فأنا مقبول من الله ، يرحب بي في عرشه ، وقد بررني [ حسبني باراً ] .. لأني لا أتقدم إليه وأقترب منه مُستنداً علي أعمال حسنة قُمت بها مثل قايين .. بل لأنني مثل هابيل أتقدم إليه معتمداً فقط علي ذبيحة الصليب .. علي موت الرب يسوع مذبوحاً كخروف علي الصليب ..

أيها القارئي الحبيب ، اسمح لي أن أدعوك أن تتأمل وتحفظ هاتين الآيتين اللتين تُظهران هذا الحق الثمين :

« كثـوب عدة [ قذر ] كل أعمال بـرنا [ فـي عينـي اللـه القدوس ] » ( إش 64 : 6 ) ..

« لنا .. ثقـة بالدخـول إلي الأقـداس [ عــرش اللــه ] بــدم يســوع » ( عب 10 : 19 ) ..

ثم اعلن إيمانك بهذا الحق بأن تردد كلمات مثل هذه :

ليس بسبب أعمال فعلتها ..

بل لأجل دم الحمل ،

يقبلني الله في أقداسه ..

يرحب بي في عرشه ..

سفر إشعياء

هذا السفر النبوي هو من الأسفار التي أشارت بوضوح إلي الرب يسوع باعتباره الخروف .. ومع إنه دُوِّن قبل تاريخ الصلب بأكثر من سبعة قرون ، إلا أنه في أصحاحه الذهبي 53 يجيب علي السؤال الأهم.. لماذا ذُبِح الرب يسوع كخروف ؟ ..

وإجابته واضحة تماماً .. ذُبح لأجل معاصينا .. ويصف الآلام التي احتملها الرب وهو يُذبح علي الصليب كخروف ، بكلمات أُصلي أن تلمس قلبك بقوة ..

« لكن [ بكل تأكيد ] أحزاننا حملها

وأوجاعنا تحملها ..

هو مجروح لأجل معاصينا

مسحوق لأجل آثامنا ..

كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلي طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا ..

كشاة [ كخروف ] تُساق إلي الذبح ..

سكب للموت نفسه .. »

( إش 53 : 4 ـ 6 ، 12 )

وفي سفر أعمال الرسل من أسفار العهد الجديد ، يؤكد لنا فيلبس المبشر إن هذه الكلمات النبوية هي عن الرب يسوع ( أع 8 : 32 ، 35 ) ..

وتأمل ما تقوله .. يسوع يحمل أحزاننا .. يتحمل أوجاعنا .. آثامنا وضعت عليه .. مجروح .. مسحوق.. يُساق كخروف إلي الذبح .. يسكب للموت نفسه.. يتحمل العقاب بدلاً منا .. ألا تري معي أنها محبة عجيبة !!.. فهل قبلت هذه المحبة قارئي العزيز ؟.. وهل لمست قلبك هذه الحقيقة ، إنه جُرِح لأجل معاصيك أنت ، وسُحِق لأجل آثامك أنت ، فأخذت موقفاً معادياً لمعاصيك وآثامك وأقبلت إلي الرب الخروف لترحب به مخلصاً لك وملكاً يسود علي قلبك؟..

إن لم تكن قد أخذت هذه الخطوة بعد ، فلِمَ التمادي في احتقار محبته ؟.. ولماذا تؤذي نفسك وتحرمها من الخلاص ؟ .. هيا الآن ، توقف عن تجاهلك له وعن استسلامك للخطية ، وتعال إليه ..

السفر الأخير

مـرات عـديدة أُطـلق علي الـرب يسـوع لقب « الخـروف » في هذا السـفر الرؤيوي الذي ينتهي به الكـتاب المقـدس ، 27 مـرة .. فتقـرأ فيـه عن « غضب الخروف » ( رؤ 6 : 16 ) و « دم الخروف» ( 7 : 14 ) و « ترنيمـة الخـروف » ( 15 : 3 ) و « عرس الخروف » ( 19 : 7 ) و « امرأة الخـروف [ أي الكنيسة ] » ( 21 : 9 ) و « رسل الخروف » ( 21 : 14 ) .. ثم في آخـر أصحـاح من هذا السفر والكتـاب المقدس نقرأ عن « عرش الخروف » ( 22 : 1 ) ..

ويوحنا تلميذ الرب هو القلم الذي استخدمه الروح القدس لكتابة هذا السفر ، وأيضاً لكتابة الإنجيل المعروف باسم إنجيل يوحنا وثلاثة من رسائل العهد الجديد .. وفي إنجيله دوّن كلمات يوحنا المعمدان القائلة « هوذا حمل الله ... » وسجل لنا قصة الصلب التي ترينا الحمل مذبوحاً بديلاً عن الخطاة ..

أما في الرؤيا فيصف لنا الحمل ممجداً ومتوجاً ، جالساً علي العرش ( رؤ 3 : 21 ) .. وتأمل ، في إنجيله قال يوحنا إنه عاين صلب الرب (يو 25:19) وسجل لنا هذه الملاحظة إن الرب صُـلب « في الوسط » ( يو 19 : 18 ) بين اثنين صُلبوا بجواره.. أما في سفر الرؤيا فيقول في الأصحاح الخامس إنه رأي الرب في صورة « خروف » .. ويخبرنا إنه رآه أيضاً « في الوسط» ( رؤ 5 : 6 ) ولكن هذه المرة في مشهد مختلف تماماً.. في وسط العرش .. حوله 42 مرنماً بالقيثـارات مع أربعـة كائنات لها صفات الكروبيم ( حز 1 ) والسرافيم ( إش 6 ) ، ثم ملائكة كثيرة « ربوات ربوات وأُلوف أُلوف » يقدمون له التسبيح والتمجيد قائلين « للخروف البركة والكرامة والمجد والسلطان إلي أبد الآبدين » ( رؤ 5 : 13 ) ..

وهكذا في إنجيل يوحنا نري الخروف متألماً ومذبوحاً أما في رؤياه فنراه ممجداً ومعبوداً .. نعم ، فقد قام من الأموات ظـافراً .. لقد رآه يوحنا في الرؤيا خروفاً له سبعة قرون وسبع أعين ( رؤ 5 : 6 ) .. القرون تتحدث عن قوته وقدرته ، والعيون عن بصيرته وقدرته علي التمييز .. أما رقم سبعة فهو رقم الكمال ..

لقد رآه يوحنا خروفاً ممجداً له كمال القوة والقدرة وله أيضاً كمال المعرفة والتمييز .. إنها إشارة واضحة إلي لاهوته ..

وهكذا فالرب يسوع في سفر الرؤيا هو الخروف في مجده وقوته .. هو الخروف الظافر المنتصر والأسد الغالب ( رؤ 5 : 5 ) .. وهو في نفس الوقت بالنسبة للمؤمن الخروف المحبوب الوديع الذي يتفهم ضعفاته ( عب 4 : 15 ) ..

لقد عبّر سفر الرؤيا عن هذه الحقيقة بطريقة رائعة!! فلم يستخدم في الأصل اليوناني الكلمة المعتادة لكلمة الخروف بل استخدم كلمة "arnion" التي هي تصغير لكلمة خروف وتعني خروفاً صغيراً ..

هللويا .. فبرغم إنه « الأسد الغالب » .. وبرغم حديث سفر الرؤيا عن أمجاده بل وعن غضبه المروع علي الذين يرفضون نعمته ويقاومون مملكته لكنه يظل دائماً للمؤمن الخـروف الوديـع جـداً والجميل للغاية .. القريب كل القرب إلي قلبه ..

وتأمل أيضاً هذه الإشارة البديعة ، يوحنا يقول إنه رآه خروفاً قائماً كأنه مذبوح ( رؤ 5 : 6 ) .. فستظل آثار الذبح.. ستبقي آثار جروح مسامير الصلب وطعنة الحربة باقية في جسده إلي الأبد شاهدة علي حبه العظيم لنا .. وكم كلّفه هذا الحب !!

آه أيها القـارئ العـزيز ، إن كنت واحداً من المؤمنين الحقيقيين الذين لهم علاقة حيّة مع الرب يسوع.. فهو بالنسـبة لك « محب ألزق من الأخ » ( أم 18 : 24 ) ، الخروف الصغير الوديع ، القريب جداً لقلبك ، الذي ذُبِح لأجلك .. والذي يحبك حباً خاصاً وعجيباً ، يتفهم ضعفاتك ومعاناتك ، ويهبك سلامه العجيب وفرحه الكامل ..

أما بالنسبة لأعدائك ، إبليس وأعوانه ، فهو الخروف، الأسد الغالب ، القائم من الموت ، المرعب جداً لهم ، والذي دمه المسفوك هو قوتك التي تغلبهم بها ( رؤ 12 : 11 ) ..

وتأمل أيضاً ، لقد سمع يوحنا وهو يري هذا المشهد صوت ترنيمات المفديين يسبحون الخروف بهذه الكلمات :

« ذُبحت ..

وجعلتنا .. ملوكاً وكهنة »

( رؤ 5 : 9 ، 10 )

هللويا ، لقد ذُبح الرب كخروف لكي يتحول الخاطـئ الأثيم عندما يؤمن به إلي ملك .. وإلي كاهن ..

ملـك

في اللحظة التي يتقابل فيها الخاطئ مع الرب ويقبل منه الخلاص ، يولد من جـديد ويصـير ابناً لله له امتيـازات فائقـة تُمكّنه من أن يحيـا كملك ( رو 5 : 17 ، رؤ 5 : 10 ) .. لا يعوزه شئ ولا يُستعبد لشئ ..

لقد أنهـي الرب علي الصليب سطوة كل أعدائك.. الخطية وإبليس وعالم الإثم ليجعلك حراً، تحيا كملك ..

لا تنظر إلي نفسك طويلاً ، ولا تركز علي ضعفاتك.. انشغل بالرب ، وانشغل أيضاً بهذه الحقيقة العظيمة إنه فيك ( يو 17 : 23 ) .. امتلئ إيماناً بأن الرب الذي أنهي سطوة الأعداء هو فيك .. أن الرب الظافر المنتصر ملك الملوك هو فيك .. الرسول بولس يُظهر هذه الحقيقة قائلاً :

« المسيح فيكم رجاء المجد »

( كو 1 : 27 )

ولتقل معه بثقة :

« أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ »

( غلا 2 : 20 )

أنت في ذاتك ضعيف .. خائر .. نعم .. لكن بالمسيح الذي فيك أنت شخص آخر .. أنت ملك .. فالمسيح الذي فيك أعظم من كل قوي الشر التي في العالم .. استمع إلي يوحنا وهو يقول لنا :

« أنتم من الله.. وقد غلبتموهم لأن الذي فيكم أعظم من الذي في العالم»

( 1 يو 4 : 4 )

هل تشعر أنك ضعيف ، استقبل الآن في قلبك كلمات الوحي القائلة :

« ليقـل الضـعيف بطـل أنــا »

( يؤ 3 : 10 )

« حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي »

( 2 كو 12 : 10 )

هيا قل بإيمان :

المسيح فيَّ لذا أنا قوي ومنتصر ..

المسيح فيَّ لذا أحيا حراً ومنتصراً كملك ..

كـاهـن

الكاهن في العهد القديم كان الشخص الوحيد المسموح له بدخول القدس أما رئيس الكهنة فهو الوحيد الذي يُسمح له بدخول قدس الأقداس الذي يُشير إلي عرش الله ، ولكن مرة واحدة كل عام في يوم الكفارة بشرط أن يكون حاملاً معه دم ثور الخطية المذبوح ..

هللويا .. فعندما يولد الخاطئ الميلاد الثاني يصبح « في المسيح » ( في 4 : 21 ) .. يراه الله « في المسيح» فيراه « بلا لوم » ( أف 1 : 4 ) لذا يقبله فـي عرشـه « قـدس الأقـداس » .. وهكـذا يصـير « في المسيح » أعظم من رئيس الكهنة في العهد القديم ، يمتلك الحق أن يدخل إلي قدس أقداس الله ليس مرة واحدة بل في أي وقت يشاء ، وبلا وساطة بشرية .. وليس بقوة دم ثور مذبوح .. كلا بل بقوة دم الخروف الحي ، الرب يسوع ..

يدخل المؤمن إلي عرش الله ليتحدث معه بثقة كابن « في المسيح » ، وليقدم باعتبـاره كاهـن ذبائـح التسـبيح ( عب 13 : 15 ) ..

تأمـل هـذا الحـدث الفـريد الذي وقـع في الهيكل في ذات اللحظة التي مات فيها الرب علي الصليب ..

« وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلي إثنين من فوق إلي أسفل »

( مت 27 : 51 )

الحجاب ، قطعة القماش الجميلة التي كانت تفصل بين القدس وقدس الأقداس لتغلق الطريق إلي الأخير .. هذا الحجاب انشق طولياً بكامله علامة علي أن الدخول إلي عرش الله الذي يشير إليه قدس الأقداس قد صار ممكناً لكل مؤمن « في المسيح ».. هنا تسطع وبنور قوي كلمات الرسالة إلي العبرانيين القائلة :

« لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلي الأقداس بدم يسوع » ( عب 10 : 19 )

وهكذا أيها الحبيب بسبب موت ( الخروف ) لأجلك صرت ملكاً وكاهناً ..

لأن المسيح فيك أنت ملك ..

ولأنك في المسيح أنت كاهن ..

والآن انتبه إلي كلمات المسيح إلي تلاميذه ليلة صلبه ..

« في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم فيَّ وأنا فيكم »

(يو 14 : 20 )

الرب يتحدث عن يوم حلول الروح القدس علي التلاميذ ، فالروح القدس هو الذي يعلن لقلبك هذه الحقيقة المجيدة إنك في المسيح وإن المسيح فيك .. هو الذي يجعلك تصدقها وتحيا علي أساسها .. فتردد بفرح قائلاً :

هللويا ، الخروف ذُبِح وقام ..

وأنا صرت ملكاً وكاهناً ..

هللويا .. لقد صرت ملكاً ..

هللويا .. المسيح يحيا فيَّ ..

لهذا لن تقدر الخطية أن تستعبدني ..

لهذا لن أحيا مهموماً أو فاشلاً ..

بل سأحيا حياة عظيمة منتصرة ..

هللويا .. صرت كاهناً ..

هللويا .. أنا في المسيح ..

لي ثقة أن أدخل باستمرار إلي عرش

الله .. لأتحدث معه متمتعاً بأبوته ..

ولأجد النعمة والعون الذي أحتاجه

في وقت المواجهات ..

ولأُلذذ قلبه بذبائح تسبيحاتي،

وأيضاً بسجودي ..

3 – العقاب و النجاة

ممتع جداً جداً التأمل في لقب الرب يسوع ، الخروف الحمل من خلال دراسة هذا الحدث الهام للغاية الذي وقع في أيام موسي النبي في زمن مبكر من العهد القديم عندما ذبحت كل عائلة من شعب الله خروفاً للنجاة من المهلك ..

لقد أُطلِق علي هذا الخروف ، خروف الفصح .. وكلمة فصح بالعربية تعني ينفصل(1) “ seperate وهـي ترجـمة لكلمــة عبـريـة معنـاهــا يعبــر " pass over " .. فبسبب ذبح هذا الخروف عبر الموت عن الشعب ، وهكذا انفصل الشعب عن المصريين الذين وقعوا تحت سطوة الموت ..

إن هذا الخروف ، خروف الفصح ، يرمز بكل تأكيد إلي الرب يسوع في صلبه .. فهذا ما تقوله بكل وضوح الرسالة الأولي إلي كورنثوس :

« لأن فصحنا أيضاً المسيح

قــد ذُبِــح لأجـلنــا »

( 1 كو 5 : 7 )

وكأن الرسالة إلي كورنثوس تقول لنا : تأملوا في الأُمور المتعلقة بخروف الفصح ، إنها تحدثكم عن حبيبكم الرب يسوع المسيح المذبوح لأجلكم ..

وهذه باختصار هي الأحداث التي سبقت ذبح خراف الفصح .. كان نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب ( رجال الله الأوائل ) مُقيماً في أرض مصر التي جاءوا إليها أيام يوسف هرباً من المجاعة ثم استقروا فيها .. وبعد مضي وقت غير قصير بدأ حكام مصـر ( الفراعنة) باضطهادهم اضطهاداً شرساً بالغ العنف حتي أن أحد الفراعنة أمر بقتل أطفالهم الذكور بمجرد ولادتهم ( خر 1 : 16 ) ..

وتدخّل الرب فأرسل من خلال موسي النبي رسالـة إلي فرعـون يقول له فيها « أطلق شـعبي ليعيّدوا لي في البرية » ( خر 5 : 1 ) .. لكن فرعون أبي أن يطيع وقال بتشامخ « من هو الرب حتي أسمع لقوله.. لا أعرف الرب » ( خر 5 : 2 ) ..

وأرسل الرب إلي فرعون إنذارات متوالية ، ومع كل إنذار ضربة معجزية موجعة .. لكن فرعون ظل علي موقفه لا يبالي بالإنذارات ولا يتراجع برغم أذي الضربات الشديد .. رفض أن يطيع الله مُقسـّياً قلبه ( خر 8 : 15 ، 9 : 34 ) .. وانتبه إلي هذا الأمر ، بعد كل ضربة كانت تأتي علي فرعون وشعبه كان فرعون يُسارع إلي الاعتراف بخطئه .. لكنه كان اعترافاً ليس له جذور عميقة في ضميره .. اعتراف وراءه ندم هش .. علي سبيل المثال عقب إحدي الضربات قال فرعون لموسي وهرون « أخطأت إلي الرب إلهكما وإليكما . والآن اصفحا عن خطيتيهذه المرة فقط » ( خر 10 : 16 ، 17) ، فهل كان هذا الاعتراف نابعاً من توبة حقيقية ، نابعاً من أنه فتح قلبه للرب باعتباره الإله الحقيقي ؟ .. كلا .. كلا ..

كان اعترافاً بالخطأ لمجرد التخلص من الضربة وليس لقبول سيادة الله علي حياته .. اعترافاً بالخطأ لا يصاحبه تغيير في اتجاه قلبه .. لذا فبمجرد أن تُرفع الضربة كان فرعون يعود إلي موقفه السابق ويزداد إصراراً علي منع الشـعب من الذهـاب إلي البرية لعبادة الرب ..

فهل نتعجب لأن الله كان في كل مرة يتجاوب مع اعتراف فرعون بالخطأ ويرفع الضربة علي الرغم من أنه اعتراف لا ينبع من توبة حقيقية ( تغيير اتجاه التفكير ) بل من ندم مؤقت ؟!! أم ننبهر لهذه النعمة الغنية ؟!! .. كيف كان الرب يرفع الضربة عن فرعون ليُظهر له نعمته ورحمته وأيضاً قدرته علّه يتأثر ويتوب توبة حقيقية ويقبل الرب إلهاً له بدلاً من آلهته الوثنية ..

لكن فرعون أبي أن يتجاوب تجاوباً قلبياً ، أو كما تقول الرسالة إلي العبرانيين « ازدري بروح النعمـة » ( عب 10 : 29 ) .. وقسّي قلبه ، فماذا كانت النتيجة ؟..

لقد حصد فرعون ما زرعه .. فما أمرّ نتائج أن يستمر الإنسان رافضاً لطاعة الله ..

الزرع والحصاد

زرع فرعون القساوة في قلبه وظل يُنمّي هذه القساوة برفضه التجاوب مع كل رسالة جديدة له من الله ، فجاء حصاده من نوع ما زرعه .. زرع فرعون القساوة في قلبه فكان الحصاد أن قسّي الله قلب فرعون ( خر 10 : 1 ، رو 9 : 18 ) !! ..

وما معني أن يقسّي الله قلب إنسان ؟.. تساعدنا علي الإجـابة آيـة من الأصحاح الأول من رسالة رومية .. تتحدث الآية عن أشـخاص مثل فرعون أصروا علي رفض الله .. احتقروا نعمته التي قدمها لهم مرات كـثيرة .. تقول الآيـة إن الله عاقبهم بأن « أسلمهم إلي ذهن مرفوض [ عاجز عن التمييز ، عاطل عن العمل ] » (2) ( رو 1 : 28 ) .. أي تركهم لأذهانهم الرديئة دون أن يتدخل لعلاجها أو لحمايتها من خطر امتلاك إبليس الكامل لها ..

قسي فرعون قلبه مراراً ، والنتيجة أنه حان الوقت أخيراً ليتركه الله نهائياً لقلبه القاسي ، فلن يعود يتدخل لتليينه أو لحمايته .. وبالطبع جـاء إبليس وامتلك فرعون تماماً ، فأصبحت قساوة قلب فرعون غير قابلة للعلاج .. وآسفاه فهذا معناه إنه من هذه اللحظة لن يتغير أبداً في موقفه الرافض لله ..

أيها الحبيب ، إنه مبدأ إلهي ، إذا استمر إنسان يُقسّي قلبه ، فسيأتي الوقت الذي سيسلم فيه الله قلب هذا الإنسان إلي القساوة .. مثلاً إذا استمر يختار الكذب فسيأتي الوقت الذي فيه يُسلمه الله إلي الكذب ليصدقه .. تحـدثت رسـالة تسالونيكي الثانية عن الذين يرفضون الحـق وقـت ظـهور النبي الكـذاب ( رؤ 19 : 20 ) ، إنسان الخطية ( 2 تس 2 : 3 ) فقالت :

« لأنهم لم يقبلوا محبة الحق حتي يخلصـوا .. سيرسل إليهم الله عمل الضلال [ الكذب ] حتي يصدقوا الكذب »

( 2 تس 2 : 10 ، 11 )

وفكّر معي ، هل كان الله سيترك قلب فرعون كما هو دون تليين لو أن فرعون كان قد اتخذ موقفاً آخر ؟ .. أي لو أنه هاب الله بسبب الضربات التي أتت علي بلاده وقرر أن يحترم سلطانه ؟ ..

أيها الحبيب ، يستحيل ألا يُلين الله قلب خاطئ اتخذ الموقف الصائب حين رأي يد الله وراء الضيقة فاعترف بسلطته وطلب منه الخلاص ..

وباختصار فإن موقف الإنسان من معاملات الله معه يُثمر في النهاية إما ليونة في القلب أو قساوة ..

فالتجاوب معها يثمر ليونة لأن الروح القدس سيعمل في القلب بقوة ..

أما العناد المستمر فيثمر قساوة لأن إبليس سيتحكم في القلب ..

فما أعظم مسئوليتك قارئي العزيز ..

« الذي يؤمن بالابن [ بالرب يسوع ] له حياة أبدية . والذي لا يؤمن بالابن لن يري حياة بل يمكث عليه غضب الله »

( يو 3 : 36 )

العقاب من نوع الخطايا

وأتي وقت عقاب قوم فرعون ، فقد شاركوه قسوته وعناده .. لقد اضطهدوا معه نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب ، وهذا النسل هو أول شعوب الله من جهة الترتيب الزمني ، الأمر الذي يعني أن فرعون وقومه اضطهدوا الابن البكر لله لذا كان عقابه لهم موجهاً إلي أبكارهم ..

ومن ناحية أخري ، بسبب أنهم قتلوا أطفال شعب الله ( ابنه البكر ) كان عقاب الله هو أيضاً قتل أبكارهم .. فعادة ما يكون العقاب الأرضي من نوع الخطايا المرتكـبة كما يقول سـفر عوبـديا « كما فعلت يفعل بك » ( عو 15 ) .. لا تنسَ أن للخطية عقاباً أرضياً إلي جانب عقابها الأبدي الذي هو الموت الثاني ( الهلاك الأبدي ) ..

وأرسل الله رسالة واضحة إلي فرعون هي :

« هكذا يقول الرب .. إسرائيل [ نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب ] ابنيالبكر. فقلت لك أطلق ابني ليعبدني فأبيت أن تطلقه ها أنا أقتل ابنك البكر »

( خر 4 : 22 ، 23 )

وكان وقت دينونة رهيبة علي أرض مصر .. لكن هل ينجو من رياح هذه الدينونة أفراد هذا النسل ، الابن البكر لله ؟.. للأسف لم يكونوا أحسن حالاً من فرعون وقومه .. كانوا مثلهم خطاة .. أشراراً!!..

من ينجـو ؟

تعجب معي ، إن نسل رجال الله العظماء إبراهيم وإسـحق ويعقوب انحدروا إلي أدني حالة خلال وجودهم في أرض مصر .. تركوا إلههم الإله الحقيقي الحي ، ونسوا اسمه العظيم ( خر 3 : 14 ، 15 ) ، وعبدوا كالمصريين الأوثان ( يش 24 : 14 ) .. والنتيجـة صـاروا عبيـداً لفرعون يقاسون منه مرارة المذلة .. ويستحقون مثله قضاء الله العادل !!

لكن هل تركهـم الله يقاسـون إلي الأبد من نتائج خطـاياهم ، هل تركـهم يعـانون مذلة مصـر ( خر 3 : 7 ) وينتظرون عقابه العادل ؟

نعم ، طرقهم الشريرة جعلتهم يستحقون عقاب الله العادل .. يستحقون قضاءه علي أرض مصر .. أن يُقتل أبكارهم .. لكن هل العدل هو صفة اللـه الوحـيدة ؟ .. لا ، فمـن صـفـاته أيضـاً « المحبة » ( 1 يو 4 : 8 ) .. وكما هو الإلـه العـادل البـار فهو أيضـاً الإلـه المُخـلِّص « إلـه بـار ومُخـلِّص » ( إش 45 : 21 ) ..

مبارك إلي الأبد .. فقد دبّر طريقاً لخلاصهم يُرضي عدله ويُحقِّق حبه في ذات الوقت .. طلب من العائلات التي تريد أن تنقذ ابنها البكر أن تذبح خروفاً ( خروف الفصح ) ثم ترش من دمه المسفوك علي باب بيتها من الخارج .. قال لهم :

« ويكون لكم الدم علامة علي البيوت التي أنتم فيها . فأري الدم وأعبر عنكم فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر »

( خر 12 : 13 )

ويا لهذه العبارة التي لا تُقدّر بثمن « أري الدم»!!

ماذا ؟ لقد رأت عينا الله العادل دم الخروف فرأتا ما يرمز إليه .. رأتا دم الرب يسـوع الخـروف الحقيقي « حمل الله » المذبوح بديلاً عن خطاة كل عصر ومكان ..

رأتا دم الرب يسوع يتحدث .. نعم فالدم يتحدث ( عب 12 : 24 ) ، ودم الرب يسوع يتحدث إلي عدل الله مطالباً بالصفح للخاطئ .. وكأنه يقول إنني سُفكت علي الصليب لأجل الخاطئ .. لقد مات يسوع متحملاً العقاب بديلاً عنه .. لذا أُطالب بأن ترفع عقوبته !!

شاهد الله دم خروف الفصح علي أبواب البيوت ، فرأي ما يرمز إليه .. رأي دم الرب يسوع فمنع الموت أن يدخل هذه البيوت .. وهكذا نجا من الموت بكر كل أُسرة صدقت الله ، وذبحت الخروف ، ورشت دمه علي الباب ..

القارئ الحبيب ، يمكنك أن تري في هذه الأُسر صورة لكل إنسان ..

فالإنسان ، أي إنسان هو خاطئ مثلها ، يستحق العقاب الإلهي العادل ..

كما إنه يقاسي من العبودية كما قاست ..

وتقـدم له الفرصـة للنجاة من العقاب والعبودية مثلما قدمت لها ..

تعال نقف بإيجاز عند هذه النقاط الثلاث :

أولاً : الإنسان خاطئ ويستحق العقاب

هل تعـلم أن الإنسـان يولـد من بطـن أمـه شخصاً خاطئاً ؟ .. داود يعترف بهذه الحقيقة قائـلاً « هانذا بالإثم صـورت وبالخطيـة حبلت بي أمي » ( مز 51 : 5 ) .. وسفر إشعياء يقول « من البطن سميت عاصياً » ( إش 48 : 8 ) .. فالإنسان يولد بقلب نجيس ( إر 17 : 9 ) ورثه عن آدم الذي فسدت طبيعته بسـبب عصيانه لله ، لذا يقـول بولس « كنا بالطبيعة أبناء الغضب » ( أف 2 : 3 ) ..

وبسبب هذه الطبيعة المتوارثـة الفاسـدة يرتكب الإنسـان الخطايا بين الحين والآخر .. يقول الرب يسوع « من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة زني فسق قتل . سرقة طمع خبث مكر عهارة عين شريرة تجديف كبرياء جهل . جميع هذه الشرور تخرج من الداخل » ( مر 7 : 21 ـ 23 ).. ولذا قال سليمان « لأنه لا إنسان صديق في الأرض يعمل صلاحاً ولا يخطئ ».. « ليـس إنسـان لا يخطـئ » ( جا 7 : 20 ، 1 مل 8 : 46 ) ..

وهذه الخطـايا التي يرتكبهـا الإنسـان تجعله مستحقاً لقضاء الله العادل الذي يحكم عليه بالهلاك الأبدي الذي يسميه الكتاب المقدس المـوت الثـاني ( رؤ 21 : 8 ) « لأن أجـرة الخطيـة هي مـوت » ( رو 6 : 23 ) .. وهكذا كما تقول رسـالة روميـة « اجتاز الموت إلي جميع الناس إذ أخطـأ الجميع » ( رو 5 : 12 ) ..

ثانياً : الإنسان يقاسي من العبودية

عندما خلق الله آدم وحـواء أعطاهما السلطان علي كل خليقة الأرض ، ولمـا سـقطا في الفخ الذي نصبه لهما إبليس فقدا هذا السلطان وصارا ضعيفين .. حينئذ انتهز إبليس الفرصة فنصب نفسه رئيساً للعالم ( يو 12 : 31 ) وبدأ باستعباد البشر لأنه يبغضهم جداً ، وتنوعت طـرق اسـتعباده لهم .. فهذا استعبده بالخوف وذاك بالقلق وثالث بالإدمان ورابع بالجنس وخامس بالمال ، وهناك من استعبدهم بصغر النفس والفشل ..

وهكذا كما كان نسل يعقوب مستعبداً لفرعون ، فإن الإنسان عموماً يقاسي من عبوديته لإبليس .. وقد تقول لي .. هناك فرق ، نسل يعقوب عبد أوثاناً أما الآن فقد اختفت هذه العبادة من أكثر بلدان العالم ..

قارئي العزيز ، ليس الوثن هو فقط التمثال الذي عبده الناس باعتباره إلهاً .. الوثن هو كل ما يشغل مكان الله في حياة الإنسان .. هو كل ما يشغل مكان الله في القلب فيعطيه الإنسان حبه الأول وانشغاله الأول .. وهكذا فمن الأوثان المـال والشهرة والسلطة والجنس .. أي منها يصبح وثناً حينما يسيطر علي قلب الإنسان ..

والوثن هو أيضاً كل شئ يتمسك به الإنسان ليستمد منه أمانه الداخلي وإحساسه العميق بالمعني.. فالإنسان خلق ليستمد أمانه وقيمته من علاقته بالله..

وهكذا فمن الأوثان السحر وبقية مجالات الدخول في عالم الأرواح الشريرة [ كالعرافة وتحضير الأرواح] وأيضاً العبادات المظهرية .. فالإنسان يلجأ إلي هذه أو تلك في محاولة فاشلة لتسديد جوع قلبه الذي لا يسدد إلا بعلاقة حقيقية حية مع الله ..

قارئي الحـبيب سـتظل دائماً هذه هي الحقيقـة « تكـثـر أوجـاعهم الذيـن أسـرعوا وراء آخــر » ( مز 16 : 4 ) .. أما الرب فيقول « عندي الغني والكرامة » ( أم 8 : 18 ) .. فليس من غني حقيقي أو كرامة حقيقية بدون علاقة حقيقية حية معه ..

تري هل تعبد الإله الحقيقي أم وثن من هذه الأوثان ؟ ..

ثالثاً : فرصة الإنسان للنجاة

الله هو « إله كل نعمة » ( 1 بط 5 : 10 ) ، وكما قدم للشعب أيام موسي طريقاً للنجاة من عقابه العادل ومن العبودية لفرعون مؤسساً علي ذبح خراف الفصح ، فهو يقدم لكل خاطئ الفرصة للنجاة من الهلاك الأبدي ومن العبودية لإبليس .. بأن يؤمن بالرب يسوع الخروف الحقيقي الذي ذُبح علي الصليب بديلاً عن الخطاة .. تقول كلمة الله :

« لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية » ( يو 3 : 16 ) ..

« له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطـايا » ( أع 10 : 43 ) ..

ومثلما لم يكن هناك طريق آخر لخلاص الابن البكر غير الإيمان بأن ذبح خروف الفصح يهب النجاة فليس من طريق آخر لخلاص الخاطئ سوي الإيمان بالرب يسوع الخروف المذبوح ..

« ليس بأحد غيره الخلاص ..

لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلُص »

( أع 4 : 12 )

لنصغ ِباهتمام إلي الرب يسوع ( الخروف ) وهو يقول :

« أنا هو الباب . إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعي »

( يو 10 : 9 )

لا يقول إنه باب بل الباب .. فليس سوي باب وحيد للخلاص هو الرب .. الخروف ..

ولنفكر قليلاً في الباب الذي احتمي خلفه قديماً الأبناء الأبكار :

لقد كان عليه دم الخروف المذبوح ..

وهذا الدم رُش عليه بواسطة باقة من نبات الزوفا..

ويا للتطابق الرمزي المدهش !!

فالرب يسوع هو أيضاً تخضب بالدم.. وهو علي الصليب غطته دماؤه الثمينة وهي تنزف من جراح المسامير والجلدات وإكليل الشوك ..

وهو أيضاً لمسته باقة من نبات الزوفا .. يقول إنجيل يوحنا عن اللحظات الأخيرة لصلب الرب « رأي يسوع أن كل شئ قد كمل فلكي يتم الكتاب قال أنا عطشان وكان إناء موضوعاً مملواً خلاً فملأوا أسفنجة من الخل ووضعوها علي زوفا وقدموها إلي فمه» (يو28:19)..

نعم الرب يسوع هو الباب الذي إذا دخل به أحد خلص ودخل وخرج ووجد مرعي ..

فكما كان علي الابن البكر أن يدخل من الباب المخضب بالدماء ليلة خروجه من أرض مصر لينجو من الموت .. هكذا الخاطئ إذ يؤمن بالرب الباب فإنه يدخل إلي حيث الأمان الكامل من دينونة الله ..

ومثلما دخل الابن ليجد غذاءه في الخروف ، هكذا الخاطئ الذي نجا من الموت يدخل إلي محضر الرب ليجد مرعي لشبعه ..

ومثلما خرج الابن في الصباح لينطلق إلي أرض كنعان ليجد المراعي الخصبة ، هكذا كل من نال الخلاص يخرج إلي العالم ليشهد للرب .. وأي مرعي يجد لشبعه وهو يشهد للخروف يوماً فيوم ..

أيها الحبيب .. هل دخلت من هذا الباب الوحيد؟.. هل آمنت بالرب الخروف فنلت الخلاص من الهلاك الأبدي ؟.. وهل اختبرت مراعي الدخول والخروج الشهيّة والمُشبعة ؟ ..

صـوتان

قبل أن يُسلم الرب يسوع الروح بلحظات قال بصوت عظيم وهو علي الصليب « قد أُكمل » .. ثم في سفر الرؤيا نسمعه يقول أيضاً وبصوت عظيم عبارة مثيلة هي « قد تم » ( رؤ 16 : 17 ) ..

صوتان عظيمان .. الأول سُمع منذ نحو ألفي عام في الماضي ، والثاني سيُسمع في المستقبل ..

في الصوت الأول .. الرب يعلن من فوق الصليب إتمامه الكفارةداعياً الخطاة أن يقبلوا لينالوا الخلاص مجاناً ..

وفي الصوت الثاني .. الرب يعلن من وسط العرش إتمامه الضربات علي الخطاة الذين رفضوا الاستجابة لدعوة صوته الأول..

ويا له من تحذير .. من يرفض أن يؤمن قلبياً بإتمام الرب الكفارة من أجله حتماً سيتجرع ضربات الغضب الإلهي كاملة ..

يقول إنجيل يوحنا بكلمـات مختصـرة لكنهـا قاطعـة :

« الذي يؤمن بالابن [ الرب يسوع ] له حياة أبدية. والذي لا يؤمن بالابن لن يري حياة بل يمكث عليه غضب الله»

( يو 3 : 36 )

نعم لقد صلب الرب ومات كخروف

لكي ننجو نحن من الهلاك الأبدي ..

وأيضاً لكي نتحرر من كل مظاهر

العبودية .. كي تُقطع كل قيودنا ..

صُلب الرب ومات لكي تمتلئ

أيامنا بالسعادة والمجد والقوة..

لتصير لنا حياة أبدية حتي نظل

معه كل دهور الأبد ..



 

4 – الزوفا و الدم

أبلغ الله موسي أن وقت العقاب العادل قد حلّ وأنه سيرسل المهلك ليضرب بالموت كل أبكار البيوت التي في أرض مصر .. ولا فرق بين بكر فرعون وبكر الجارية المصرية أو أي بكر لأي عائلة من عائلات نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب .. فالجميع بلا استثناء أخطأوا واستحقوا عن عدل هذا العقاب ..

لكـن الله « غني في الرحمـة » ( أف 2 : 4 ) « يُُسر بالرأفة » ( مي 7 : 18 ) .. لذا لم يتحدث مع موسي فقط عن العقاب بل أبلغه أيضاً بطريق النجاة من هذا العقاب .. قال له:

« اذبحوا [ خروف ] الفصح .

وخذوا باقة زوفا واغمسوها في الدم ..

ومسوا العتبة العليا والقائمتين [ لباب البيت ] بالدم ..

فإن الرب يجتاز ليضرب ..

فحين يري الدم علي العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب عن الباب ولا

يدع المهلك يدخل بيوتكم ليضرب »

( خر 12 : 21 ـ 23 )

في ذلك الوقت كان الابن البكـر هو فخـر عائلته ومحط آمالهـا والمعـد لزعامتهـا وتـولي زمام أُمورها ( تك 49 : 3 ، مز 105 : 36 ، 2 أي 21 : 3 )، وكمثال كان بكر فرعون هو الوارث لعرش مصر والمعد لرئاستها .. ولك أن تتصور كم كان موت أبكار العـائلات التي لم تمـس باب البيت بالدم موجعاً جـداً لها ، ومؤلماً للغاية ، ومحـطماً لآمالهـا ( مز 78 : 51 ، زك 12 : 10 ).. لكن هذه هي دائماً نتيجة الاستمرار في الخطية .. مرارة وأفسنتينا ..

ولك أيضاً أن تتصـور كم كانت نجاة أبكار العائلات التي مست الباب بالدم مُفرحاً جداً لها .. وهذه هي دائماً نتيجة نوال الخلاص .. الفرح العظيم والسعادة البالغة ليس فقط للخـاطئ الذي نال الخـلاص ( لو 19 : 6 ) وللمؤمنين المحيطـين بـه ( أع 15 : 3 ) .. بل أيضاً يكون فرح أمام الملائكة في السماء ( لو 15 : 10 ) ..

موت في كل بيت

في نصـف الليل اجتاز المهلك في كل أرض مصر ، وعـلا صـراخ عظيـم في أرجاء البلاد .. تقول كلمـة الله « لم يكن بيت ليـس فيه ميت » ( خر 12 : 30 ) .. فكل بيت لم يوضع الدم علي بابه كان بداخله الابن البكر مقتولاً .. وكل بيت رُش بابه بالدم كان أيضاً بداخله ميت لكنه لم يكن الابن البكر .. كان خروف الفصح مذبوحاً بديلاً عن هذا الابن ..

وتأمل ، لم يكن خروف الفصح في داخل البيت مذبوحاً فقط ، كان أيضاً مشوياً بالنار ، فقد منع الله طبخه بالماء .. لماذا منع الله أن تصل حرارة النار إلي لحم الخروف من خلال ماء الطبخ الذي يقلل من شدة حرارتها ؟ .. لماذا أمر أن يشوي الخروف أي أن تلمسه النار مباشرة بكل وهجها المستمر؟ ..

السبب هو أن يكون خروف الفصح رمزاً للرب يسوع في هذه النقطة .. إنه لم يمت موتـاً عادياً .. مات بعد أن شوتـه النار .. وأي نار !! نار دينونة العدل الإلهي التي يستحقها كل خاطئ .. هذه النار أتت عليه بكل قوتها !! .. تأمل عندما قدموا له خلاً ممزوجاً بمرٍ وهو معلق علي الصليب ، أبي أن يشرب منه ( مت 27 : 34 ) !! .. فقد كان الرومان يستخدمون هذا المزيج كمسكن قوي للألم يخففون به إحساس المصلوبين بالوجع الشديد .. أيها الحبيب ، لقد تحمل الرب يسوع نار دينونة خطاياي وخطاياك بلا أدني تخفيف..

هللويا ، لقد تحمل عقابي كاملاً دون أن يترك لي أي شئ من العقاب لأتحمله ولو قليلاً ..

أي آلام احتمل ، وأي أهوال جاز فيها وهو معلق علي الصليب يتحمل عقابنا .. إنه حبه المدهش والقوي لي ولك قارئي العزيز ..

وتأمل لم يكن كافياً أن تذبح كل عائلة خروف الفصح حتي تنقذ ابنها البكر من الموت ، كان عليها أن تغمس باقة من نبات الزوفا في دم هذا الخروف ثم تمس بها العتبة العليا والقائمتين لبـاب بيتها من الخارج ..

لا .. لا يكفي ذبح الخروف ، لابد أن يكون دمه علي البـاب حتي لا يدخـل المهلك ويقتل الابن البكر .. لابد لهذا الابن أن يحتمي خلف دم الخروف المذبوح ..

هذا بالنسبة للرمز فماذا بالنسبة للمرموز إليه ؟

لا .. لا يكفي ذبح الرب يسوع علي الصليب كي ينجو الخاطئ من الموت .. من الهلاك .. لا ، إن علي الخاطئ دوراً لا بديل عنه ، وهو أن يحتمي خلف دم الرب المذبوح ..

كيف ؟ .. تجيبك رسالة رومية قائلة « بالإيمان بدمه [ بدم الرب ] » ( رو 3 : 25 ) .. أي أن يؤمن الخاطئ بقدرة هذا الدم الثمين علي حمايته من الهلاك .. ولا تهم في شئ تفاصيل ماضيه .. كم من سنوات أضاعها في الخطية بعيداً عن الله أو أي أنواع من الخطايا ارتكب .. فهو في كل الأحوال مذنب ويستحق عقاب الله العادل ، ولا طريقـة لإنقـاذه غير أن يحتمي بدم الرب مثلما احتمي الأبكار بدماء خراف الفصح ..

الدم ليراه الله

انتبه أيها القارئ الحبيب إلي هذه الحقيقة ، إن الدم لم يوضع علي الباب لكي يراه الشعب بل ليراه الله .. كانت كل عائلة في داخل البيت والباب مغلق عليها أما الدم فكان علي الباب من الخارج ، وكانت كلمات موسي لهم هكذا :

« فحين يري [ الله ] الدم علي العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب [ الإله ] عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتكم ليضرب »

( خر 12 : 23 )

الله رأي الدم ، والدم قال له إن عقابه الإلهي العادل قد نُفذ بالفعل ، ولكن ليس علي الخاطئ بل علي الخروف البديل .. أيها القارئ الحبيب الله هو إله بار .. عادل .. لذا لم يسمح بالعقاب أن يُنفـذ مرتين .. لم يدع المهلك يدخل البيت الذي وُضعَ عليه الدم ليقتل الابن البكر ..

أيها الحبيب ، بإمكان كـل مؤمن حقيقي أن يقول :

الله يري دم الخروف الحقيقي ..

الله يري دم الرب يسوع الثمين ..

والدم يقول له إن يسوع مخلصي وقف مكاني وتحمل بدلاً مني العقاب ..

لذا لن يسمح الله بهلاكي ..

لأنه إله بار وعادل ، وهو لن يسمح بتنفيذ العقاب مرتين ..

هللويا ، دم يسوع سفك وأنا نجوت ..

أيها الحبيب .. الدم ، دم يسوع هو الأساس الوحيد لخلاصك من الهلاك ولتحريرك من أثقال الذنب ولقبول الله لك ..

فيا لفاعلية دم الرب !!.. لذا لا عجب أن يكون الدم هو موضوع الأغنية الجديدة التي سينشد بها كل المفديين هناك في السماء ( رؤ 5 : 9 ) ..

نبات الزوفا

لاحظ أن الله أمر باستخدام نبات الزوفا لوضع دم الخروف علي الباب :

« اذبحوا الفصح [ الخروف ] . وخذوا باقة زوفا واغمسوها في الدم الذي في الطست ومسوا العتبة العليا والقائمتين بالدم الذي في الطست »

( خر 12 : 21 ، 22 )

الزوفا نبات مذكور في الكتاب المقدس يتحدث عن الضعف الشديد وانعدام القيمة .. انظر ما قاله سفر الملوك الأول في إشارة واضحة لهذا المعني :

« تكلم [ سليمان ] عن الأشجار من الأرز [ الشجر القوي العملاق والمعمر] الذي في لبنان إلي الزوفا النابت في الحائط »

( 1 مل 4 : 33 )

الزوفا نبات ضعيف جداً بلا قيمة فلا مكان لنموه في تربة الأرض بل كان ينمو بين فواصل الأحجار في حوائط مباني ذلك الزمان .. وبإمكاننا أن نراه نباتاً يُعبّر عن حالة الخاطئ عموماً .. إنه إنسان ضعيف للغاية ومنعدم القيمة ..

القارئ الحبيب .. ليس الخاطئ هو فقط من ارتكب القتل أو الزني .. الخاطئ هو كل شخص لم يتقابل بعد مع الرب يسوع في لقاء حقيقي نال فيه ميلاداً من فوق ..

لماذا ؟ .. لأنه حتي لو لم يرتكـب هذه الخطـايا بالفعل فقد سقط في غيرها .. ولا تنسَ إن الرب في الموعظـة علي الجبل أظهر أن الخطية ليست بالفعل فقـط، بـل إن مجـرد وجـود اتجاه في القـلب لفعـلها هو أيضـاً خطـية « قد سـمعتم أنه قيـل للقدمـاء لا تزن . وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظـر إلي امرأة ليشـتهيها فقد زنـي بها في قلبـه » ( مت 5 : 27 ، 28 ) ..

بل إن كل البشر الذين لم يتقابلوا بعد مع الرب يسوع ، ولم يقبلوه في قلوبهم ، ولم يؤمنوا به بعد يشتركون في هذه الخطية الرئيسية .. خطية عدم الإيمان بالرب .. هذا ما تقوله لنا بوضوح كلمات الرب يسوع القائلة :

« ومتـي جـاء ذاك [ أي الـروح القـدس ] يبكت العالــم علــي خطية .. أما علي خطية فلأنهم لا يؤمنون بي »

( يو 16 : 8 ، 9 )

هكذا يؤكد الرب بكلماته أن كل شخص يظل خاطئاً إلي أن يأتي إليه ويؤمن به من القلب .. فيولد ولادة ثانية ويتحول من خاطئ إلي شخص حي ، ابن لله له طبيعـة جديدة .. نعم كل إنسان لم ينل هذا الامتياز هو شخص خاطئ .. هو كنبات الزوفا .. ضعيف جداً وبلا قيمة .. كان شـاول الطرسـوسي ( بولس الرسول ) قبل التقائه بالرب متديناً جداً ، دارساً جيداً لأسفار العهد القديم وحريصاً علي طاعة وصاياها .. مع هذا قال عن نفسه إنه كان ضعيفاً وفاجراً ، خاطئاً وعدواً لله ( رو 5 : 6 ، 8 ، 10 ).. وبلا قيمة كالجنين الميت ( 1 كو 15 : 8 ) ..

نعم كان شاول قبل معرفته بالرب يسوع مثل نبات الزوفا .. لكن ما أعظم نعمة الله فالزوفا التي بلا قيمة غُمست في دم الخروف الذي ينجي من الموت .. وشاول الذي كان كالسقط أتي تحت دم الرب الثمين فتحول إلي بولس الرسـول العظيم .. ويا لها من حقيقة ، الدم الثمين هو لخلاص كل إنسان يري نفسه أنه كالزوفا .. لكل إنسان يعترف أنه خاطئ ضعيف .. عاجز وبلا قيمة بسبب خطاياه ..

وأتخيل شخصاً يمسك بباقة الزوفا ليغمسها في دم الخروف ثم يمس بها باب بيته في القديم .. أتخيله يقول لنفسه « كم من آثام ارتكبنا .. إننا مثل هذا النبات التافه ، لكنني أعتمد علي ما قاله الله .. إنه سيري الدم وسيمنع المهلك أن يدخل بيتي » ..

وأتخيل ابناً بكراً يرتجـف مرتعباً ثم يدنو لأبيه قائلاً « سـمعت أن الله سـيقتل الأبكار في هذه الليلة .. لقد فعلت خطايا بشعة أتذكرها الآن .. إنني سيئ جداً جداً .. كيف أنجو ؟ » ..

وأتخيل أباه يُهدئ من روعه ويقول له بهدوء « لا تخف .. بل افرح بخلاصك .. الله أحبك ووعد إنه لن يسـمح للمهلك أن يدخـل البيت الذي رُش بالدم .. لقد صدقنا وعده .. لقد ذبحنا الخروف ومسسنا بدمه باب البيت .. لا لن تموت ، فإلهنا أمين لوعده .. نعم نحـن سيئون وبلا قيمـة بسـبب أخطائنا .. نحن مثل نبات الزوفا ولكن الدم يُغطي كل أخطائنا .. نحن في أمان .. لن يقدر المهلك أن يدخل بيتنا » ..

وتأمل أيها القارئ العزيز .. إن نبات الزوفا الضعيف الذي أتي عليه دم الخروف لم يقلل من قوة هذا الدم في حماية البكر من الموت .. وهكذا أيضاً انحطاط الخاطئ إلي أي درجة لن يقلل من كفاية دم الرب الثمين لخلاصه من الهلاك ..

فتعال أيها الخاطئ حالاً إلي الرب .. لا تنتظر حتي تتحسن حالتك ، هذا خداع من إبليس .. فلن تتحسن أبداً حالتك تحسناً حقيقياً قبل أن تنال الخلاص ..

تعال كما أنت إلي الرب معترفاً بحالتك إنك خاطئ أثيم .. قل له إنني مثل نبات الزوفا الضعيف لكنني لا أريد أن أستمر هكذا .. إنني أقبل محبتك وأُُصدق وعدك أن دمك ينجيني ..

ستنال أولاً الخلاص .. الغفران ..

وستوهب طبيعة جديدة ..

وسيتغير سلوكك لتختلف

عن السابق تماماً ..

تعـال إلي الـرب ..

ولن تكون أبداً كما كنت من قبل ..

5 – تطابقات مذهلة

هناك فارق زمني ضخم نحو 1500 عام تفصل بين كتابة أحداث ذبح الرمز ، خروف الفصح الذي أنقذ شعب الله من الموت ، وبين تدوين أحداث صلب المرموز إليه ، الرب يسوع الذي أنقذنا من الموت الأبدي .. فأحداث ذبح خروف الفصح مسجلة في سفر الخروج المدون حوالي عام 1400 قبل الميلاد بينما أحداث صلب الرب سجلتها الأناجيل الأربعة خلال المئة سنة الأولي بعد الميلاد ..

لكن رغم هذا الفارق الزمني الضخم فالتطابقات بينهما مُذهلة للعقل ، مما يقطع بوحي الكتاب المقدس..

فهل تعتز بهذا الكتاب المعجزة ؟

وهل تحرص علي أن تُشبع بكلماته روحك في كل يوم ؟

وهل هو بالنسبة لك سراج يقودك بنوره، ومرآة تري فيها أخطاءك لتعترف بها وتتنقي منها ؟

وهل تستند علي وعوده في مواجهتك للصعاب والضيقات ؟

وهل تفرح بكلماته باعتبارها « كل الغني » ( مز 119 : 14 ) ؟.. وهل تهتف قائلاً لإلهك « لا أنسي كلامك» ( مز 119 : 16 ) ؟

القارئ الحبيب ، نعم ، توجد تطابقات مُذهلة بين خروف الفصح كما تحدث عنه سفر الخروج والرب يسوع كما قدمته لنا أسفار العهد الجديد ، ومن الممتع حقاً التأمل فيها ..

التوقـيت

عن خروف الفصح كانت تعليمات الله التي سجلها سفر الخروج هي :

« في العاشر من هذا الشهر [نيسان].. تكون لكم شاة [ أي خروف ] صحيحة [ بلا عيب ] .. ويكون عندكم تحـت الحـفظ إلي اليـوم الرابع عشر من هذا الشهر . ثم يذبحـه كل جمهور جماعة إسرائيل في العشـية [ الترجـمة الأدق بين العشـائين أي بين الثالثـة ظهراً والسادسة مساءً ] »

( خر 12 : 3 ، 5 ، 6 )

ويوضح سفر التثنية توقيت ذبح خروف الفصح قائلاً إنه « نحو غروب الشمس » ( تث 16 : 6 ) .. ويري دارسو النص العبري أن المقصود هو الوقت منذ أن تبدأ الشمس في الاتجاه للهبوط نحو الأُفق .. أي ابتداءً من نحو الساعة الثالثة .. يخبرنا المؤرخ يوسيفوس إنه في أحد أعياد الفصح تم ذبح 256500 خروفاً ما بين الساعة الثالثة والخامسة مساءً (3)..

وهكذا ، فبحسب سفر الخروج ، لقد اُختير خروف الفصح في اليوم العاشر من نيسان ( مارس ـ أبريل) وعُزِل عن بقية الخراف إلي اليوم الرابع عشر ثم ذُبح في هذا اليوم بين الساعة الثالثة ظهراً والسادسة مساءً..

وماذا عن الرب يسوع ؟ .. ماذا قالت الأناجيل عنه ؟.. لقد أخبرتنا إنه دخل إلي أورشليم في اليوم العاشر من شهر نيسان ( يو 12 : 1 ، 12 ) ، وظل هناك إلي اليوم الـرابع عشـر ليُصـلب ثم يموت بعد وقت قليل من السـاعة التاسـعة بتوقيت آنـذاك ( يو 19 : 14 ) التي تقابل الثالثة مساءً بتوقيتنا المعاصر ، أي في ذات الوقت الذي ذُبح فيه خروف الفصح ..

ألا تتعجب لهذا التطابق بين توقيت ذبح خروف الفصح وتوقيت صلب الرب ؟ ..

لقد حددت كلمة الله قبل صلب الرب بنحو خمسة عشر قرناً ساعة ويوم موته مصلوباً في رمز خروف الفصح ..

أما العـام الذي صُلـب فيه فقـد حدده سفر دانيـال المـدون قبـل حـادثة الصـلب بسـبعة قـرون ( دا 9 : 26 ) ..

أيها القارئ الحبيب ، لا تنسَ أن إحدي معجزات الكتاب المقدس هي تحقيق نبواته العديدة .. وفي أسفار العهد القديم توجد نحو ثلاثمائة نبوة تتعلق بحياة الرب يسوع .. هذه النبوات جميعها تحققت بكل دقة في العهد الجديد لتشهد أن الكتاب المقدس هو بكل تأكيد كلمة الله ..

إنني أدعوك أن تتوقف الآن عن القراءة قليلاً لتشكر الله من أجل هذه العطية العظيمة .. الكتاب المقدس..

كم أشكرك من أجل عطيتك

العظيمة .. الكتاب المقدس ..

كم أشكرك من أجله .. كتاباً حياً ..

وثقت فيه فغيّر كل حياتي ..



 

بـلا عـيب

نعود إلي خروف الفصح ونتسـاءل ماذا كان الهدف من عـزل الخـروف عن بقيـة القطيع وحفظـه من اليوم العاشـر إلي الرابع عشـر ؟ .. والإجـابة هي أن يظـل تحت الملاحظـة الدقيقـة للتأكد من خلوه من العيوب والأمراض ، فقد كانت تعليمات الله أن يكون خروف الفصح « صحيحاً [أي بلا عيب KJV]»..

وماذا عن الرب يسـوع الذي يرمـز له هذا الخـروف ؟ .. لقد ظل هو أيضاً هذه المدة من اليوم العاشر إلي الرابع عشر في أُورشليم تحت ملاحظة دقيقة من رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين .. لماذا ؟ .. آه يا لبغضتهم الشديدة للرب ، رأوه خطراً علي زعامتهم للناس ، فلاحظوه بهدف أن يجدوا فيه خطأ ولو واحداً ليدينوه به .. امتحنـوه بأسـئلة خبيثـة لكي « يصطادوه بكلمة » ( مت 22 : 15 ) آملين أن يجـيب عليـهم بإجـابات يسـتخدمونها لإدانتـه ( مت 21 : 23 ـ 27 ، مت 22 : 15 ، 23 ) ، لكنهم فشـلوا تمـاماً وانطبقـت عليهم كلمات المزمور القـائلة « كل حكمتهم ابتُلعت » (مز27:107).. فأخذوه إلي بيلاطس لكنه لم ينجح فيما فشلوا فيه ، واعترف قائلاً « إني لست أجد فيه علة واحدة » ( يو 19 : 4 ) ..

هكذا وجد ألد أعداء الرب إنه « بلا عيب » .. تقول الرسالة إلي العبرانيين إنه جُرب في كل شئ ، فكان « بلا خطية » ( عب 4 : 51 ) ..

أيها الحبيب ، لم يُصـلب الرب لأنه كان به عيب .. لم يُصلب لأنه أخطأ .. كلا ، بل صُلب لأنه بلا عيب .. فلو كان به أي عيب ، لما صلُح أن يكـون ذبيحـة عن الخطـاة ( لا 22 : 20 ) .. تقول رسـالة بطـرس الأُولي « افتـديتم .. بـدم كـريم كما من حـمل بلا عـيب ولا دنـس دم المسيح » ( 1 بط 1 : 18 ، 19 ) .. وتقول الرسـالة أيضـاً « المسيح .. تألم مرة واحدة من أجل الخطايا البار من أجلالأثمةلكييقربناإليالله»(1بط 18:3)..

لا لم يُصلب الرب لأنه ارتكب خطية .. حاشا فهـو « لـم يفعـل خطيـة » ( 1 بط 2 : 22 ) .. و « لم يعرف خطية » ( 2 كو 5 : 21 ) .. و « ليس فيه خطية » ( 1 يو 3 : 5 ) ..

ببساطة ، صُلب الرب لأنه أراد أن يحمل آثامي وأن يقف مكاني ليُعـاقب بـدلاً مني ، كـي لا أُعاقب أنا .. فما أعظم حبه لي !! ..

العظام لم تُكسر

تأمل معي تطابقاً آخر مذهلاً بين خروف الفصح، الرمز .. والرب يسوع ، المرموز إليه ..

كانت تعليمات الله بشأن خروف الفصـح ألا يُكسر عظـم من عظـامه « عظماً لا تكسـروا منه » ( خر 12 : 46 ) ..

وماذا حدث للرب يسوع في موته ؟..

لقد أدان اليهود الرب يسوع بتهمـة التجـديف ، وهذه التهمة عقوبتها الرجم بحسب قانونهم اليهودي [ الناموس ] ( لا 24 : 16 ) .. والرجم يُعرّض العظام للكسر .. أما الرومان فكانوا ينفذون الموت في المجرمين بالصلب ..

وتعجب معي فعندما طلب بيلاطـس من اليهود أن يحكموا علي الـرب يسـوع بحسـب ناموسـهم [ قانونهم ] قائـلاً لهم « خـذوه أنتم واحكمـوا عليه حسب ناموسكم » أي أن يقوموا برجمه ، امتنعـوا قائلين له « لا يجـوز لنا أن نقتـل أحـداً » ( يو 18 : 31 ) ..

ولماذا امتنعوا ؟ .. يا لخبث القلب ، إنهم هنا مثال للإنسان الذي يتلون بحسب كل موقف لكي يحقق أطماعه الخاصة .. كان الأمر بالنسبة لهم لا يعدو أكثر من فرصة سانحة للتودد إلي حاكم البلاد الروماني بإظهار أنفسهم له غير متمسكين بقانونهم اليهودي، بل ومتنازلين عن حقهم في القضاء ..

وتجاوب بيلاطس مع تملقهم له .. وحكم علي الرب بأن تُنفذ فيه عقوبة الموت بحسب القانون الروماني أي بالصلب وليس بحسب القانون اليهودي .. بالرجم.. وهكذا لم يُنفذ اليهود في الرب عقوبة الرجم مع أنهم نفذوها بعد شهور قليلة في اسطفانوس ( أع 7 : 58 ، 59 ) ..

وتأمل كيف علق يوحنا علي امتناع اليهود عن الحكم علي الرب بالرجم قائلاً « .. ليتم القول الذي قاله [ الرب ] مُشيراً إلي أية ميتة كان مزمعاً أن يموت » .. فالرب كان قد سبق وتنبأ عن نفسه أنه لن يموت بالرجم حينما تحدث عن موته مشيراً إلي أنه سيكون بالرفع (يو33,32:12,28:8,14:3 ).. فالموت بالرفع لا يحدث في حالة الرجم بل الصلب..

تأمل ، الرب لم يُقتل برجم الأحجار الذي يعرض عظامه للكسر ، بل قُتل مصلوباً بحسب القانون الروماني .. فهل كان الصلب دائماً لا يعرض عظام المصلوب للكسر ؟ .. لا ، بل أحياناً كانوا يكسرون ساقي المصلوب مستخدمين مطرقة معدنية ثقيلة إذا أرادوا أن يعجلوا بموته .. فعندما تكسر الساق لا يقدر الجسد المعلق علي مواصلة التنفس إذ لا يجـد ما يرتكز عليه ، فيموت في الحال مختنقاً ..

لكن هذا لم يحدث مع الرب يسوع ، يُخبرنا يوحنا قائلاً :

« سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم [ أي سيقان الرب واللصين المصلوبين بجواره ] ويرفعوا »

( يو 19 : 31 )

يصف يوحنا دافع اليهـود لهذا السـؤال هكذا : « لكـي لا تبقـي الأجسـاد علي الصـليب فـي السبت » ..

انظر كم أظهروا في هذا السؤال غيرتهم الكبيرة في طاعة الناموس من جهة حفظ يوم السبت ، فبحسب الناموس في العهد القديم كان بقاء أجساد ميتة معلقة أمراً ينجس الأرض ( تث 21 : 23 ) .. فإذا لم يعجلوا بموت الرب واللصين قبل أن يأتي الغروب ويبدأ السبت فلن يستطيعوا أن يدفنوا أجسادهم لأنه لا يجوز بحسب الناموس القيام بأي عمل في السبت ( خر 35 : 1 ـ 3 ) ، هذا يعني أن الأجساد ستبقي معلقة علي الصلبان وتنجس الأرض ..

وأُذكرك بأن اليوم عند اليهود يبدأ بغروب شمس اليوم السابق لذا قال سفر التكوين « كان مساء وكان صباح يوماً واحداً » ( تك 1 : 5 ) ولم يقل « كان صباح وكان مساء » ..