تمتع بالمجد

من مثل العذراء مريم فى تمتعها بمجد الرب الملك ؟

من مثلها فى تلامسها الدائم مع الحب الإلهي العجيب الذى يلذذ النفس ، ويبهج القلب ، ويمد الإنسان بقوة ليحيا بها أيام السماء وهو بعد على الأرض ..

من مثلها .. نعم لقد عاشت على الأرض وكأنها فى السماء .. بل أكثر لقد صارت هى نفسها السماء ، مكان إشراق المجد .. يسوع ..

فى كل يوم كان فرحها به يزداد ومعرفتها له تتعمق .. نفذت بروحها إلى أعماق أعماق قلبه فعرفت أن حبه مدهش .. غير عادى ، نقى ، غير محدود .. يحب الأثمة والفجار جدا جدا .. يبحث عنهم ، يفيض لهم بغمر من الحنان والشفاء .. يتألم من أجلهم .. يموت بدلا عن كل واحد منهم ..

من مثل العذراء مريم ؟؟ من مثلها ؟!! رويت بل غمرت تماما بحب الرب العجيب ، حتى نسيت نفسها نسيانا تاما فتبعته بلا تحفظ فى طريق الألم .. إلى الصليب .. لقد أحبته الحب الذى به تهون أقسى الآلام والموت ذاته .. لقد توهجت بنار الروح القدس فصار هو لها كل شئ فى الحياة ..

العذراء مريم ، الممتلئة نعمة .. الممتلئة بالروح .. العضو البارز جدا واللامع للغاية بين مؤمنى كل العصور البلدان ، موضوعة أمامنا مثالا نحتذى به ..

العذراء مريم .. العذراء الوديعة ، فى تمتعها بجمال الملك ، فى إشعالها بحبه ، فى امتلائها بروحه ، فى إنكارها المتواصل لذاتها .. العذراء بكل هذه الصفات تشد أنظار المؤمنين ليقتفوا أثرها ، ليتمثلوا بأيمانها ، ليسعوا أن يصيروا مثلها يتمتعون بالمجد ..

ويا للتمتع بالمجد .. القديس مقاريوس يشوقنا له بكلمات معبرة تقول ( أى مجد يكون للنفس التى تستنير بجمال مجد نور وجه المسيح الذى لا يعبر عنه ، وتكون لها شركة الروح القدس .. أى إمتياز أن تكون هى مسكن الله وعرشه .. تصير كلها نورا ومجدا ) .

والقديس باسيلوس يصفه لنا قائلا (أى شئ أكثر روعة من الجمال الإلهي ، أى فكر أكثر بهجة من التفكير فى روعة الله .. تشتعل النفس وتصرخ من أعماقها فى حب دافق قائلة إنى مريضة حبا ) .. ثم يأتى مار اسحق فيتحدث عنه هكذا ( محبة الله بطبيعتها حارة وملتهبة ، فإذا انسكبت على إنسان بغزارة فلن يقدر قلبه أن يتحملها .. الوجه سيصير ناريا وفرحا ، والجسم يبقى ملتهبا ) أما القديس يوحنا الدرجى فيعبر عنه قائلا ( أيها الحب .. لقد أسرتنى .. لا أقوى على إحتمال لهيبك ) ..

لكن ..

لكن قد تسألني كيف أبلغ هذا المستوى ؟!  .. كيف أصل إلى التمتع هكذا بمجد الرب ؟! كيف أصير مثل  العذراء ؟! ..

كلا .. ليس الأمر بصعب المنال ، إلا أنه يحتاج استنارة من فوق وبعض الوقت ..

هيا .. هيا معى إلى سراجنا المتوهج الذى يضئ لنا الطريق .. هيا .. هيا إلى كتابنا المقدس العظيم ، فعلى صفحاته الخالدة نجد الإجابة الوافية ..

افتح العهد الجديد على أول صفحاته واقرأ أول إصحاح فيه .. ستجد اسم العذراء مدونا .. فى هذا الإصحاح الذى دونه القديس متى ستجد الإجابة وستعرف الطريق إلى مشابهة العذراء مريم فى تمتعها بمجد الملك ..

 هذا الإصحاح يسرد لنا سلسلة أنساب الرب يسوع ، إنه سجل بأسماء أجداد الرب ابتداء من إبراهيم .. ولكن العجيب أنه وسط زحمة هذه الأسماء نقرأ أسماء خمسة فقط من النساء ، من بينهن  العذراء .

هذه ملاحظة تدعو للتفكير .. فلماذا هؤلاء النساء بالذات دون غيرهن ؟

تأمل فإن آخر اسم منهن قد ذكر هو اسم العذراء .. إن كل اسم من الأربع الأخريات يمثل حلقة هامة من سلسلة الحلقات التى تصل بنا للتشبه بالعذراء .. للتمتع بالملك .

الأولى اسمها ثامار

أمر هذه المرأة غريب جدا ، فهى لم تصر جدة للرب يسوع عن طريق الزواج والإنجاب الطبيعي !! لقد ولدت فارص الذى أتى من نسله الرب نتيجة لخطية بشعة ارتكبتها ، نتيجة لزنا ، وزنا غير عادى ، فقد زنت مع شخص لا يقبل العرف العام ولا الفطرة البشرية الزواج به .. لقد زنت مع أبى زوجها .. أمر غريب للغاية أن تصبح لثامار صلة قرابة بالرب بسبب هذا الزنا ، ولكن الروح يريد أن يعلمنا درسا بالغ الأهمية الروح القدس يود أن يعلمنا أنه لو أتى إنسان إلى الرب يسوع متناسيا ضعفاته متجاهلا خطاياه فلن ينتفع شيئا ولن يكون له نصيب معه .. لقد قال الرب بكل الوضوح " لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى" مز 17:2) ..

الرب لم يتجسد ويسحق على الصليب من أجل أبرار بل ليفدى الأثمة .. حتى الذين تمادوا فى الشر إلى أبعد الحدود كثامار .. كل منهم له مكان مميز فى قلبه ، لقد مات ليشتريهم بدمه .. ليكونوا له وليقضوا الأبدية معه ..

بداية العلاقة مع الرب هى أن تكتشف أنك مثل ثامار ضعيف وخاطئ وفى احتياج شديد له .. بداية العلاقة أن تشعر بالاحتياج ..

الاحتياج إلى فادى يغفر الخطايا ، إلى مخلص يحرر من القيود ، إلى طبيب يشفى الأمراض التى بلا علاج ، إلى نور يبدد ظالمات النفس ..

الرب يسوع هو الإجابة الوحيدة لمختلف احتياجاتك .. هو الفادى والمخلص والطبيب والنور .. هو الحياة وبعيدا عنه حتما تستعبد للموت ..

قارئي ، اذا لم تكن قد شعرت من قبل بضعفك وجسامة خطاياك ولم تدرك احتياجك الماس إلى المخلص ، فأنا أدعوك وأكرر عليك الدعوة ، أن لا تتوانى ، قم الآن ، هيا إلى جلسة حاسمة يكشف فيها الروح القدس خفايا قلبك لتدرك مدى احتياجك للرب يسوع .. تعال اليه فهو يرحب بك داعيا " تعالوا إلى .. وأنا أريحكم " (مت 28:11) ..

سيدى

حررنى من الإحساس بالبر الذاتي ..

أرنى احتياجي الشديد إليك ..

أعطيني أن أدرك فضل نعمتك الغنية ..

أن أدرك حبك الكثير لى

 فأحبك جدا ..

وأقضى حياتي كلها متمتعا بحبك ..

الثانية إسمها راحاب

المرأة الأولى فى سلسلة أنساب الرب يسوع "ثامار" تقول لنا أنك لن تتلامس مع حب الرب الشديد لك إلا لو شعرت  باحتياجك له .. أما "راحاب" فتخطو بك خطوة أخرى إلى الأمام ,, أنها تحدثك عن الثقة ..

راحاب لم تكن أصلا من شعب الله .. كانت موآّبية الجنس ، فكيف صارت أما للرب .. إنها الثقة .. الثقة فى حب الله لها وقدرته على إنقاذها ..

كانت من أسوأ النساء فى أسوأ مدينة "أريحا " لكن قلب الله كان شغوفا بها فلما أرسل لها الرسولين (يش 1:2) وثقت فى حبه وقدرته على إنقاذها ..

كان إبليس يحتفظ بها فى أقوى مدنه ، "أريحا " ذات السور المنيع الشاهق بل لقد أسكنها أقوى جزء فى المدينة ، فى السور ذاته حيث كان بيتها .. لكنها وثقت فى حب الرب لها وقوته وثقت أنه يريد أن يحررها وأنه يستطيع أن يطلقها من أسرها ..

فتحت باب بيتها للرسولين لكى يدخلا ثم أغلقته لتفتح الكوه (يش 18:2).

أغلقت الباب الذى يصل بها إلى داخل مدينة أريحا .. أريحا التى ترمز إلى عالم الاثم ..

وفتحت الكوة التى تطل بها إلى خارج المدينة .. إلى خارج العالم .. إلى نحو السماء ..

آه .. يا للإيمان .. يا للثقة ، لم تعد تعتمد على طرق العالم .. لم تعد شهوات العالم تميل قلبها .. لقد تعلقت بما هو خارج العالم .. لقد صارت تطلب ما فوق " حيث المسيح جالس " (كو 1:3).

وربطت حبلا فى الكوة .. حبلا من خيوط القرمز .. القرمز لونه لون الدم فهو يشير إلى دم الرب الثمين ، والحبل يتحدث عن ربط شئ بشيء .. آه يا لروعة هذه الرموز ، تطل راحاب من الكوة فترى لون الدم فى حبل .. ونحن .. هل نفعل مثلها ؟ ! هل نغلق باب القلب أمام غوايات العالم .. هل نفتح كوته نحو السماء لنرى الدم الثمين ، دم العهد الأبدى الحبل القرمزى الذى يربطنا بالسماء .. الدم الذى يطهر من كل خطية .. الدم الذى يرعب مملكة الظلمة ويحمينا من سهامها .

راحاب تحدثنا عن الثقة فى حب الرب يسوع .. فى قوة الرب يسوع .. فى عمل دم الرب يسوع ..

والآن انظر إلى ثمر ثقتها .. انظر إلى ثمر إيمانها الحى العامل الذى جعلها تستضيف الرسولين من دون أن تخاف من غضب أهل مدينتها .. انظر لقد صارت بسبب هذا الإيمان واحدة من أبرز نساء شعب الله بعد أن كانت من قبل غريبة عنه .. انظر لقد وضعها القديس يعقوب جنبا إلى جنب بجوار إبراهيم العظيم ، فكما صار إبراهيم بإيمانه أبا لكل المؤمنين ، صارت هى أيضا بإيمانها أما مثمرة أتى من نسلها الرب يسوع .. فما أصدق كلمات الوحى "الذى يؤمن به لا يخزى " (1بط 16:2) ..

الثالثة اسمها راعوث

بعد الاحتياج والثقة تأتى راعوث لتضع لنا السمة الثالثة المميزة لطريق التمتع بالملك .. إنها تحدثنا عن الإصرار ..

فما الذى وضع راعوث فى سلسلة أنساب الرب ؟ .. لم تكن أصلا من شعب الله بل من شعب اخر غريب فما الذى جاء بها لتكون أما للرب ؟ .. آه يا لاقتدار الإصرار !!

لقد أصرت راعوث أن تعود مع نعمى لتنضم إلى شعبها .. حاولت نعمى كثيرا أن تلين من عزيمتها لتثنيها عن قرارها لكن راعوث ازدادت إصرارا وكلمتها بكلمات تبكتنا كثيرا على تهاونا .. قالت لها " لا تلحى على أن أتركك وأرجع عنك لأنه حيثما ذهبت أذهب وحيثما بت أبيت . شعبك شعبى وإلهك إلهى . حيثما مت أموت وهناك أندفن . هكذا يفعل الرب بى وهكذا يزيد . إنما الموت يفصل بينى وبينك " (را 16،17) ..

يا لعظمة هذا الإصرار الذى لا يحتسب لآية مخاطر ولا يخشى من خوف باغت .. الاصرار على تبعية الرب هو أحد سمات الذين يريدون أن يتمتعوا بالأمجاد ، لذا فإن الوحى يحثنا " ثبتوا قلوبكم " (يع 8:5) ..

اّه ، كم نحتاج أن نهدأ ونجلس منفردين عند أقدام الرب ، نتأمل حبه العظيم لنا ، لنعرف كم أحبنا فتشتعل قلوبنا بمحبته فتمتلئ بالتصميم والاصرار على السير خلفه مهما كانت التحديات ..

أيها القارئ ، قرار أن تكون حياتك للرب الذى مات بدلا منك ليس قرارا تتخذه اليوم وتتراجع عنه غدا .. كلا ، هو أعظم قرار فى حياتك ، لذا فهو قرار كل يوم ..

فى كل صباح ، قل هذا اليوم للرب .. لن يكون ابدا للعالم ، ولتكن لك دائما نية دانيال النبى ، لقد وضع إبليس أمامه إغرائات شتى لكى يصطاده بشباكها لكنه فشل .. لماذا ؟ لأن دانيال كان قد سبق " وجعل فى قلبه ان لا يتنجس " (دا 8:1) ..

لا تخف من الاغراءات .. لا تخشى صعاب الطريق .. ثق فى الذى يقول لك "تكفيك نعمتي" (2 كو 9:12) ..

تمسك بأمانته وقل لذاتك مهما حدث لى فلن أترك الرب أبدا .. لن أعود مرة أخرى للعالم .. لن أكون متكاسلا . لن أظل غير مثمر .. سأبذل " كل اجتهاد " (2بط  8:1) ، سأقاوم الخطية حتى الموت .. لن استسلم لها قط ، سأردد دائما شعار الرسول بولس "نحن الذين متنا عن الخطية (يوم اعتمدنا ) كيف نعيش بعد فيها " (رو 2:6) ..

الرابعة .. التى لأوريا

هذه التى تزوجها داود الملك وأنجب منها سليمان الذى جاء المسيح من نسله ،لكن انجيل متى لا يذكرها باسمها  بانتسابها إلى "أوريا " .. ومن هو "أوريا " ؟.. زوجها الأول الذى خانته عندما رضيت أن تزنى مع داود الملك ..

لم يقل الكتاب عنها أنها قاومت الملك .. لم تفعل مثل " نابوت " العظيم الذى لم يستسلم لمشيئه الملك اّخاب وفضل أن يموت عن أن يكسر وصية واحدة من وصايا الهه مع أنها كانت وصية تتعلق بميراث له من اّبائه ويبدو كسرها أقل بشاعة بكثير من خطية الزنا التى سقطت فيها هذه المرأة ..

لماذا لا يذكر انجيل متى اسمها بل اسم " اوريا " ؟ .. الزوج الذى خانته .. هل يريدنا أن نتذكر أنها أخطأت ؟ .. نعم ، الوحى يوجه أنظارنا إلى خطيتها .. لماذا ؟ لكى يجسم لنا السمة الرابعة للذين يريدون أن يتمتعوا كالعذراء مريم بالمجد .. هذه السمة هى الرجاء ..

فى الطريق ، قد تسقط فى خطية .. وقد تكون صعبة .. وقد يستغل إبليس الموقف لكى يوقعك فى الخطية الأخطر .. خطية الملل واليأس .. أيها الحبيب الرب يسوع يحبك جدا ولا يريدك أن تستسلم للهزيمة ، ثق أن حبه لك أقوى من كل ما حدث .. أنظر اليه ستجده يمد لك يديه ليرفعك من طين الحمأة الذى غرقت فيه ، ليرد لك بهجة خلاصه .. بل أكثر ليجعلك بقيامك السريع سببا فى رجوع خطاة اليه (مز 51) ..

"التى لأوريا" .. امرأة تقول لك .. "لا تفشل .. قم سريعا من سقطتك فالوعد الذهبى يضى أمامك " إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا .. ان اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم " (1يو 9:1) ..

لكن استفد من سقطتك ، دعها تكشف لك انك لست سوى اّنية خزفية هشة لا يمكنها بذاتها أن تحافظ على نفسها ، تحتاج دائما أن تستند على قوة إلهها الحافظة التى تأتى اليها من دوام النظر إليه والحديث معه كما من الجلوس مع كتابه والتقدم المستمر للتناول من جسده ودمه للثبات فيه ..

والآن نأتى إلى المرأه الخامسة التى بدأنا بها الحديث العذراء مريم

إن كان لك الشعور بالاحتياج الدائم إلى الرب يسوع (ما أشارت اليه ثامار ) ، وكنت تتمتع بالثقة فى حبه وقوته مثل (راحاب) ثم امتلكت إصرارا كإصرار (راعوث) ولم تدع أية خطية تسقط فيها تعود بك مرة أخرى إلى الخلف ..

إن كنت كذلك فأنت مدعو أن تسير مع العذراء فى طريق التمتع بالأمجاد ..كيف ؟ بالروح القدس الذى يمجد الرب يسوع .. الأمر ليس صعبا ، لأن الله يريد أن يملأك به .

اطلب .. اطلب باستمرار أن تمتلئ بالروح :

-                   "روح الاحراق" لكى يأتى ليحرق كل الأشواك المبعثرة فى قلبك خانقة للفرح ، معطلة للنمو ..

"روح التضرعات" لكى يشعل حياتك بحرارة الصلاة الحية والانسكاب الحقيقى فى عرش النعمة ..

"روح القوة " لكى تحيا به منتصرا .. لاتقدر الخطية أن تسود عليك بل تكون مؤثرا فى الناس بحياتك وكلماتك .

"روح المجد " ابط 14:4 ليمتعتك بأمجاد الرب كما متع من قبل العذراء ..

ربى يسوع ..

اعمل فى بروحك حتى اتمتع بمجدك ..